عند مثوله أمام مجلس الشيوخ الأميركي في الثاني والعشرين من مايو الجاري تمهيداً لتعيينه قائداً أعلى للقوات المركزية الأميركية، واجه الجنرال ديفيد بترايوس أسئلة عن إيران قدر ما واجه من أسئلة عن العراق وأفغانستان من قبل أعضاء المجلس الذين بدت عليهم الرغبة الشديدة في سبر أغوار الإدارة الحاكمة ومحاولة التعرف على نواياها فيما يتعلق بالملف إلإيراني.

وجلسة كهذه تذكرنا بجلسات مماثلة سبقت قيام الحرب على أفغانستان والعراق، فهل هنالك ما يشي بقرب نشوب حرب جديدة في منطقة الشرق الأوسط رغم إن البعض يرى بأن خيار استخدام القوة ضد إيران قد تراجع نسبياً بعد مجيء روبرت غيتس إلى وزارة الدفاع والذي يعتبره بعض المحللين السياسيين أقرب في موقفه من إيران إلى موقف وزيرة الخارجية رايس.

هناك من يرى بأن فرص قيام حرب جديدة في المنطقة قد أصبحت أقل عن ذي قبل لأسباب عديدة، فالولايات المتحدة تخوض منذ سنوات حربين أرهقتا قواتها المسلحة وأرهقتا خزانتها، ولم تعد أي منهما تحظى بدعم الرأي العام الأميركي بعد أن ارتفعت أعداد الضحايا وبعد أن بدأ الاقتصاد الأميركي يعاني من الإنهاك .

والتراجع ويواجه صعوبات قد تقوده إلى حالة ركود خطيرة تجر وراءها اقتصادات دول أخرى إلى هذا المصير المدمر. كما أن حرباً أخرى في منطقة الشرق الأوسط لا شك ستلهب كثيراً أسعار النفط التي تشهد صعوداً بدأ يرهق ميزانيات أغنى الدول في العالم.

كما أن الولايات المتحدة سوف لن تجد إلا حلفاء قلائل لها في هذه الحرب، ولن تجد في مجلس الأمن الدولي من يستمع إلى وثائق إستخبارية مفبركة كما حصل عشية شن الحرب على العراق.

هذه بلا شك عوامل يراها من يرصد الأوضاع العالمية ذات أهمية كبيرة في إعاقة إصدار قرار بالذهاب إلى الحرب، إلا أنها رغم ذلك قد لا تحول دون إقدام إدارة الرئيس بوش على مغامرة ثالثة في المنطقة تقلب الموازين و تفاجيء العالم.

فهنالك حسابات من نوع آخر تراها القوى العظمى وخاصة الولايات المتحدة أساسية في فرض هيبتها الدولية تقتضي التصفية قبل مغادرة البيت الأبيض، ولعله يتصور بأنه يسدي بعمل كهذا جميلاً إلى من سيخلفه في المكتب البيضاوي ويوفر عليه عناء اتخاذ هكذا قرار خطير.

كما أن هنالك من يرى بأن المخرج من الركود الاقتصادي هو إثارة حروب جديدة فهنالك تجربة في ذلك، إذ أن الركود الاقتصادي في العالم نهاية عشرينات وبداية ثلاثينات القرن المنصرم كان وراء نشوب الحرب الإسبانية ثم الحرب العالمية الثانية.

تعيين الجنرال بترايوس قائداً للقوات المركزية الأميركية يضفي ملامح إضافية على المشهد فقد جاء بعد أن قدم القائد السابق الإدميرال فالون استقالته في الحادي عشر من مارس المنصرم.

لأنه وجد نفسه غير منسجم فكرياً ونفسياً مع إستراتيجيات الإدارة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط التي تعتبر القوات التي يترأسها مسؤولة عن تنفيذها، فهو بكل وضوح وقف معارضاً لفكرة القيام بعمل عسكري ضد إيران.

وصف الجنرال بترايوس أثناء مثوله أمام مجلس الشيوخ إيران بأنها المفتاح لأبرز قضيتين أمنيتين تواجهان القيادة المركزية الأميركية، ولعله في هذه العبارة يعبر عن قضية تواجهه شخصياً وهو يعيش هاجس الخوف والقلق اليومي الذي يصاحب وجود كل عسكري أميركي في العراق، هذه العبارة من غير شك ترشحه ليكون القائد للعملية في حالة السماح بتنفيذها.

السؤال الكبير لا يزال يُطرح منذ سنوات: في حال استمرار الجهود الدبلوماسية التي تبذل مع إيران في الإخفاق وفي حال استنفاد جميع السبل لإقناعها بالتخلي عن برنامجها النووي، وهي قد استنفدت فعلاً.

وفي حال التوصل إلى قناعة بعدم القدرة على احتوائها أو فرض عقوبات شديدة عليها، فهل سيلتقط الرئيس الأميركي خيار القوة الذي حرص على التذكير بوجوده دائماً بين الخيارات الأخرى المتاحة له؟، وهل سيكون الرئيس الأميركي الوحيد الذي زج بلاده في ثلاثة حروب، وهل بقي لإدارته من العزم ومن الوقت ما يكفي لذلك؟

أمن إسرائيل الوطني، وهو ما يشغل بال الإدارة الأميركية، يتطلب بقاءها قوة نووية وحيدة في المنطقة، لهذا يزداد قلق المسؤولين الإسرائيليين من البرنامج النووي الإيراني مع اقتراب موعد رحيل الرئيس بوش عن الرئاسة.

فقد صرح أحد المسؤولين الإسرائيليين لمجلة تايم خلال زيارة الرئيس الأميركي الأخيرة لإسرائيل لمشاركتها فرحتها بعيدها الستين بالقول إن القيام بعمل عسكري لمواجهة الطموحات النووية الإيرانية ليس بالخيار الجيد إلا أن هنالك أمراً واحداً أسوأ منه وهو حصول إيران على السلاح النووي.

وقد تسرب عن بعض المقربين للرئيس بوش بأن عدداً من قادة دول المنطقة الذين التقوا به ليسوا أقل قلقاً من البرنامج النووي الإيراني رغم رغبتهم بأن التسوية السلمية هي الحل الأفضل لأمن المنطقة ومستقبلها.

ويبدو جلياً أن عامل الوقت قد أصبح مهم جداً لأصحاب البرنامج النووي ولأعدائه على السواء، فإيران من جانبها تسعى إلى التهدئة وعدم التصعيد في عدد من المحاور التي تتعلق بأنشطتها غير المرغوبة من قبل الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط وذلك تجنباً لمواجهة محتملة لن تكون هي الرابحة فيها.

وكسباً للوقت لمزيد من التقدم في برنامجها النووي وانتظارا لمجيء رئيس جديد إلى البيت الأبيض ربما يجد بأن ما تركه الرئيس بوش في الداخل يستوجب التفرغ والمعالجة بدل استعراض العضلات في الخارج.

أما على الصعيد الأميركي فربما يرى الصقور في الإدارة الأميركية نفس ما يراه الإسرائيليون وهو ضرورة الإقدام على شن عمل عسكري قبل نوفمبر القادم وإلا سيكون الأوان قد فات لتنفيذ عملية من هذا النوع وبهذا الحجم، وذلك لأنهم يرون بأن فرص مجيء رئيس أميركي قوي وحازم مثل جورج بوش ضئيلة.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae