زيارة الرئيس الروسي الجديد ديمتري ميدفيديف للصين في أول خروج له خارج الحدود بعد توليه منصبه كرئيس أثارت العديد من التساؤلات خاصة بعد البيان الذي صدر عنها، والذي لم يختلف كثيرا عن البيانات التي كانت تصدر عن لقاءات القمة بين البلدين خلال فترتي حكم الرئيس السابق بوتين.
وهي البيانات التي تعكس توافقا كبيرا وربما تطابق في المواقف الخارجية للبلدين، وخاصة في رفضهما معا للهيمنة الاميركية على الساحة الدولية، ورفضهما لتسليح الفضاء وتأكيدهما على ضرورة إعداد معاهدة دولية تمنع انتشار الأسلحة في الفضاء وهو ما سبق أن رفضته واشنطن، وتأكيدهما على دعم الأمم المتحدة وإجراء عملية إصلاح المنظمة الدولية بشكل عقلاني قائم على الإجماع الدولي.
وهو أيضا ما ترفضه واشنطن التي تريد تهميش الأمم المتحدة وإضعافها، كما أكد البيان المشترك على ضرورة حل المسائل الدولية بالحوار والمحادثات وعلى رأسها مشكلة النووي الإيراني ومشكلة كوسوفو، وهذا أيضا ما ترفضه واشنطن.
باختصار البيان الختامي موجه بشكل واضح لواشنطن، وهو ما يعني أن السياسة الخارجية لروسيا في عهد ميدفيديف لن تختلف عنها في عهد الرئيس السابق بوتين، ولكن الجديد في الأمر هو اختيار الرئيس ميدفيديف للصين لتكون المحطة الأولى له في زياراته الخارجية خارج النطاق الإقليمي.
حيث زار ميدفيديف كازاخستان وهو في طريقه للصين، اختيار الصين يعني في رأي المراقبين أن روسيا ميدفيديف لن تتراجع عن نهج الرئيس السابق بوتين في دعم مكانة روسيا عالميا، وأن روسيا لن تخاطب ود الغرب وواشنطن من أجل الاقتصاد، وأن العلاقات الروسية الصينية التي باتت تشكل قلقا شديدا للغرب مستمرة في نموها في كافة المجالات بما فيها المجال الإستراتيجي والسياسي.
ولكن زيارة الرئيس ميدفيديف للصين كشفت عن جوانب أخرى في العلاقات بين البلدين ليست بالصورة الوردية التي تبدو عليها العلاقات السياسية والإستراتيجية، ومن هذه الجوانب التي لا تخلو من المشاكل بين البلدين مشكلة تصدير النفط الروسي للصين، حيث كان هناك اتفاق بين شركات روسية وصينية في عام 2006 على إبرام عقود توريد النفط الروسي للصين.
وسرعان ما بدأت روسيا بناء على هذه الاتفاقات في مد خط أنابيب من حقول نفطية في شرق سيبيريا إلى ساحل المحيط الهادئ على أن يتم مد فرع من هذا الخط إلى الصين، ولكن على ما يبدو أن هذه الاتفاقات اصطدمت مؤخرا بحائط مسدود قد يحول دون تنفيذها.
وذلك بسبب الخلافات بين الطرفين حول أسعار بيع النفط، إذ يصر الجانب الصيني على أن تبيع له روسيا النفط بأسعار أقل من الأسعار التي تبيع بها للدول الأخرى وخاصة الغربية، وعلى ما يبدو أن روسيا ترفض هذا الأمر من حيث المبدأ.
حيث أنها لا تريد أن تتعامل مع تصدير الطاقة من منطلقات سياسية تجامل فيها حلفاءها وأصدقاءها وتتشدد فيها مع الآخرين، تريد روسيا أن تتعامل مع الجميع وفق قواعد السوق العالمية حتى لا يتهمها أحد بأنها تستخدم موارد الطاقة لأهداف سياسية.
روسيا تستطيع أن تميز الصين في التعاملات عن الدول الأخرى في أشياء أخرى خلاف الأسعار، وقد خصصت لها بالفعل وفق الاتفاقات خط أنابيب خاص ينقل النفط لأراضيها، وهذا في حد ذاته امتياز هام لأنه يعطي ضمانة كبيرة للصين على تأمين وارداتها من النفط بدون انقطاع، ويجعل للصين حصة ثابتة من النفط الروسي.
روسيا تريد أن تثبت للجميع أنها شريك تجاري عادل لا يحابي مشتريا على آخر، ولكن على ما يبدو أن الصين لا تقبل ذلك. المشكلة قائمة بين البلدين، ويذهب البعض إلى احتمال تدخل الرئيس السابق رئيس الوزراء الحالي بوتين لحل هذه المشكلة.
كاتب ومحلل سياسي روسي