حين تستعرض خطة وزارة الصحة التي جاءت على لسان وزير الصحة معالي حميد القطامي، فسوف تشعر أنك إزاء مشروع وطني كبير يعبر عن طموحات طالما ترددت في نفوس مواطني الدولة، بخاصة حين تشهد الدولة تطوراً كبيراً ومتسارعاً على عدة مستويات تنموية ونهضوية، ويظل قطاع الصحة غير ملب لطموح المواطن من ناحية الرعاية الصحية المطلوبة أو من حيث توافر فرق عمل على مستوى عالٍ من المهنية والخبرات.

ولعل تركيز الوزارة على عمل لجان لتطوير مستوى الخدمات المقدمة للمرضى وتحسين المظاهر العامة لمباني المستشفيات الحكومية، خطوة إيجابية تعكس الرغبة في إحداث فارق في الوضع القائم، إلا أن القائمة تظل طويلة لتحقيق المستوى المطلوب بخاصة أن المستشفيات الحكومية هي المتكأ شبه الوحيد للمواطن الذي يرمي أحماله عليه.

ورغم ذلك نجد أن سلسلة الشكاوى من سلبية الوضع في هذه المستشفيات لا تزال كما هي منذ سبعينات القرن المنصرم، وبعضها اكتسب مع الوقت سمعة لا تتناسب مع مكانة الدولة، مما أدى إلى لجوء المواطن للعلاج في الخارج معبراً عن عدم جدوى العلاج داخل الدولة.

ورغم توجهات الدولة لاستنهاض المدن الطبية النوعية داخل إمارات الدولة بهدف تنشيط السياحة العلاجية أو الطبية إلا أن بقاء القطاع الصحي الحكومي بعيداً عن استنهاض حقيقي يسهم في الارتقاء بنوعية العلاج واستقدام الخبرات المؤهلة، جعل الدولة تتكبد مصاريف سنوية خيالية لتسديد نفقات علاج المواطنين خارج الدولة، ناهيك عن النفقات التي يتكبدها المواطن نفسه والتي تضطره أحياناً إلى الاستدانة من أجل السفر للعلاج.

يلخص معالي حميد القطامي استراتيجية وزارة الصحة الخمسية في أن «ما هو مطلوب أكثر بكثير مما تحقق وبالتالي علينا العمل ليل نهار لانجاز المهمة وتحقيق طموحات وتطلعات قيادتنا الرشيدة وكذلك طموحات المواطنين والمقيمين على أرض الدولة»، وهنا مربط الفرس أن الاستراتيجيات بحاجة إلى مواكبة دائمة وإلى متابعة مدروسة تقوم على الديناميكية بحيث لا تتأثر بخروج وزير أو دخول وزير جديد، وهذا ما لا يحدث أبداً.

فمع التغيير الوزاري تتغير الخطط والاستراتيجيات وتجهض المشروعات، لذا لابد من التركيز على التشريع وليس على من ينفذ التشريع، ولكن في حالات كثيرة يظل العمل متوقفاً على وجود «فلان وعلان» وإلا توقفت عربة الحياة في هذه المنشأة أو تلك.

لذلك حين ننظر إلى هذه الاستراتيجية بمشاعر الأمل في تحقق برامجها، فإننا كمواطنين نتطلع إلى مزيد من الشفافية لنتوقف على ما تم انجازه حتى الآن، بخاصة وأن من المتوقع في نهاية هذا العام إنشاء هيئة الإمارات الصحية كما سيتم تطبيق نظام الإدارة الذاتية للمستشفيات.

إضافة إلي مشروع الربط الالكتروني «نظم المعلومات الصحية» الذي يعد من أهم وأكبر المشروعات التي تنفذها الوزارة حالياً بالتعاون مع مدينة دبي الطبية وكلية هارفارد الطبية، والذي من المتوقع أن تتم ترسيته علي الشركة المتخصصة الشهر المقبل.

ويهدف إلى ربط كافة المستشفيات والمراكز الصحية في الدولة، بما فيها المستشفيات والمراكز الصحية التابعة لهيئة الخدمات الصحية في أبوظبي ودائرة الصحة والخدمات الطبية في دبي والمستشفيات والمراكز الصحية والعيادات الخاصة وكذلك المؤسسات التعليمية (كليات الطب) بنظام المعلومات الطبية الالكترونية، وكما أشار وزير الصحية فإن هذا المشروع سيكون الأول من نوعه على مستوى المنطقة.

وسيحقق قفزة نوعية للخدمات الصحية في الدولة وسيعود بمردودات مادية كبيرة على قطاع الرعاية الصحية وعلى شركات التأمين، خاصة وان الدولة مقبلة على تطبيق التأمين الصحي، وعندها ستكون هناك بطاقة صحية موحدة تتيح للشخص تلقي العلاج في أي مركز أو مستشفى لأن كافة البيانات الصحية المتعلقة به ستكون متوفرة في كافة المرافق الصحية في الدولة.

ولعل هذا الأمر تحديداً سوف يخفف من وطأة ما يتكبده المواطن البسيط من عناء في مراجعات الأمراض المزمنة، بخاصة وأن كثيراً من المستشفيات الحكومية تفتقر إلى النظام الالكتروني من الأساس ولا تزال تعتمد على الأسلوب الأرشيفي القديم الذي يعتمد على نقل الملفات من مستشفى إلى آخر يدويا، في حين ان الثقافة الورقية هذه قد انقرضت منذ زمن في كثير من مستشفيات العالم المتقدم.

أما بالنسبة لمشروع إنشاء المركز الوطني للإحصاء والمؤشرات الصحية الوطنية فيمكن القول إنه بعد هذا الزمن من عمر الدولة فإن مثل هذا المشروع قد جاء متأخراً كثيراً، وأن يأتي خير من أن لا يأتي أبداً، ولكن حين تجد أن الدولة قد بدأت تخطو خطوات واسعة في مؤشرات الإصابة ببعض الأمراض ولاسيما المزمنة منها كالسكري والسرطان.

فإن وجود هذا المركز كان يمكن أن يخلق خطة واعية لمواجهة هذه الأمراض توعوياً أو من حيث توفير الرعاية والخدمات الصحية، وكما يقال إن تقنية المعلومات أصبحت صناعة وتجارة مهمة وبالتالي فهي كالسلعة الضرورية يجب على الدول بجميع مؤسساتها اقتناؤها والرجوع إليها واستغلالها عند اتخاذ أي قرار، وحتى يكون القرار سليما فلابد أن يكون مستنداً إلى معلومة صحية.

هذه الخطط الطموحة والبرامج التي أعلنتها وزارة الصحة كفيلة بأن تضع الدولة في مصاف الدول المتحضرة في قطاع الصحة ولكن تبقى الخطط على الورق دائما أجمل من الواقع، وهذا ما لا نتمناه، فالتناغم بين الخطط والتعليق لابد أن يكون ملموساً بالدرجة الأولى من قبل المواطن العادي الذي يتحسر على تلك الأموال التي تضخ دون أن يرى أدنى تغيير في بعض مستشفياتنا، ويبقى الروتين قاتلاً حين تجد أن بعض مستشفياتنا الحكومية لا تزال تعاني من مركزية مفرطة وقلة حيلة في التشخيص والعلاج.

كاتبة إماراتية

opinion@albayan.ae