جاءت زيارتي للبنان متأخرة جدا، وكأني آخر عربي خليجي اكتشفها في العام الماضي!! وفي زيارة قصيرة جدا لم تتجاوز ليلتين ونهارا ونصف نهار، زيارة عمل خاطفة لم اغتنم منها سوى ساعات معدودات للتجول في الأسواق.. زيارة متأخرة ومتخلفة عن الركب كثيرا، لكني استحضرت فيها كل حرائق السنين وفتشت عن بقايا آثار الرصاص على أطراف الجدران، استعدت الغزو الإسرائيلي الأخير، وقبله جحيم الحرب الأهلية.
وأعادت ذاكرتي شريط الأخبار الموجعة وصور الجناة والضحايا، صور الزعماء والناس البسطاء العاديين، وقلت كما قال ويقول كل الذين يحبون لبنان كمكان وبلد وأهله، لماذا يرزق بهذا الألم وهذا العذاب، وقلت كما قال ويقول من يحملون في ذاكرتهم ذكرياتهم الحميمة والجميلة عنه.
لماذا يحرق اقتصاد هذا البلد، ولماذا لا يتاح له الهدوء، ماذا لو عاش لبنان لعشر سنوات متتاليات على الأقل بدون طلق ناري وغزاة ولا اختلافات ألن تسكن مليارات العرب خزائن هذا البلد المطلوب والمرغوب دائما سياحيا وتجاريا وثقافيا؟
زيارة قصيرة لكنني تحدثت فيها إلى اغلب اللبنانيين الذين صادفتهم في طريقي حتى صاحب التاكسي الخمسيني الذي وصف لي حالة الركود القاتلة التي شلت الحياة، وخنقت دخله اليومي..«بنضل انلف وانلف وما فيه زبون..يا خيي يتركوه هالبلد لحاله.. خلو الناس تعيش، البلد ما فيه ولا رجل غريبة.
شو فكرك إحنا بنعيش على أهل البلد، لا لو مها السواح ما فيه شغل. كانوا العرب والخليجيين مليين شارع الحمرا كله، وينن؟ شوف الحال كيف صار، واحد من سكر من هون، والتاني زارع حواجز، حتى الرصيف في بيروت صار ما بشبه بعضه»!
لبنان بلد ينجح فيه الاستثمار بأنواعه المختلفة مئة بالمئة، ولبنان بلد سياحي محبب الى العرب بالدرجة الأولى، ولبنان عاصمة ثقافية دائمة هناك بإمكان الأفكار الجمالية ان تتبلور وتخرج للوجود، ارض خصبه للإبداعات الإنسانية، ولبنان ارض مهيأة لاحتضان الفرح.
في آخر غزو إسرائيلي على لبنان تذوقنا مرارة الآلام وذرفنا الدموع على الذين مزقتهم شظايا الإجرام وإرهاب المعتدي بكينا وتألمنا مع بكاء لبنان وآلامه، ورفعنا القبعات عالية لرجال المقاومة وشعرنا بالفخر ان في العروبة نبض دم حار لا يقبل الاذلال ولا الظلم. وفي الأسبوع الماضي وضعنا أيدينا على قلوبنا، وقلنا الله يستر «صارت بين الأهل».
اليوم لبنان، عاد لبنان لأيامه الذهبية، الربيع الممتد على قارعة الطريق وعلى شاطئ البحر وفوق قمم الجبال وبين أغصان شجر الأرز..اللبنانيون هم من غنوا لنا راجع راجع يتعمر لبنان، وهم من جعلونا نغني معهم حبا في لبنان، ومثلما هي أمنيتهم فنحن أيضا نتبناها في قلوبنا ونوايانا، فهل يستطيعون إثبات ذلك؟
من اجل كل الخيرات التي تنتظر الهدوء لكي تفجر ينابيعها؟ هل ينوونها نية صافية لله والوطن، لا للشرق ولا للغرب ولا للشمال ولا للجنوب؟ لبنان اليوم يرسل لنا ابتساماته الجميلة، وهي نادرة في سنوات عذابه الطويل، كم هو جميل ان تنقلب الآية ويستمر الفرح.
في كل شبر من هذا الوطن العربي الكبير الأم.. يزرع المواطن السليم المعافى من سرطانات الأدلجة المختلفة وبأنواعها بذور أحلامه طمعا في وطن قومي حر وقوي وحضاري ومتقدم.. ولبنان يجب ان يكون معافى كما هو اليوم..لأننا نحبه وتحرقنا الغيرة عليه.
