منذ أسبوعين جاء إلى القاهرة الدكتور نصر حامد أبوزيد، الأستاذ المصري الشهير الذي كان أستاذاً للأدب العربي بجامعة القاهرة قبل أن تثور حوله ضجة كبيرة، اضطر بسببها إلى الهجرة إلى هولندا، فصار ولا يزال حتى الآن أستاذاً للدراسات العربية والإسلامية في جامعة أمستردام، ولكنه أصبح يعود إلى القاهرة بين الحين والآخر، بعد أن كان هذا متعذراً عليه، ومحفوفاً بالمخاطر له ولأسرته.
الدكتور نصر أبوزيد أستاذ وباحث قدير، ومحاضر بارع، ألَّف كتباً حققت شهرة واسعة لما تحتويه من محاولة جريئة لإعادة تفسير التراث العربي والإسلامي، من وجهة نظر عصرية، آملاً أن تكون هذه المحاولة لإعادة التفسير عاملاً مساعداً على تقريب العرب من العصر الحديث، وتمكينهم من جديد من بناء الحضارة بعد أن غابوا عن المساهمة فيها فترة تزيد على خمسة قرون.
وكالعادة مع مثل هذه المحاولات، أثارت جهود الدكتور أبوزيد حفيظة وغضب المحافظين من المفسرين فاتهموه، كالعادة أيضاً، بالكفر. ورفضوا ترقيته إلى درجة أستاذ في كليته، بل ذهب أعداؤه إلى حدّ رفع قضية للتفريق بينه وبين زوجته، التي تعمل بدورها أستاذة بالجامعة، وحكم القضاء المصري بالتفريق، الأمر الذي اضطر د. حامد وزوجته إلى الهجرة، والغياب عن مصر سنوات عدة حتى يتغير المناخ في مصر بما يسمح لهما بالعودة، على الأقل من حين لآخر.
وإن لم يعد بعد أستاذاً بالجامعة. كما سمح له المناخ الحالي في مصر بأن يلقي محاضرة في الجامعة الأميركية بالقاهرة، هي التي استمعت إليها منذ أسبوعين، وأن يعلن عنها في مختلف وسائل الإعلام، وكان من الطبيعي أن تجذب المحاضرة عدداً كبيراً من المثقفين في مصر، فجاؤوا ليستمعوا إلى آخر أفكار الرجل الذي خضع لإرهاب وظلم فادحين، كما جاؤوا لتشجيعه والتعبير عن تعضيدهم له.
وجدت الرجل كما توقعت، وكما أعرف عنه، محاضراً بارعاً وجذاباً، طلق اللسان سلس الفكر، كما انه اختار موضوعاً جذاباً ومثيراً للفكر في هذه الأيام، وهو «الفن وخطاب التحريم» مما شاقني أن أسمع رأيه فيه.
قال د. نصر الكثير مما أتفق معه فيه، بل لعلني اتفقت مع كل ما قاله، وإنما كان تحفظي الوحيد يتعلق ليس بما قاله بل بما لم يقله. ليس المطلوب بالطبع أن يقول المحاضر أو الكاتب الحقيقة كلها (فمن الذي يستطيع ذلك؟) ولكن هناك دائماً جوانب من أي قضية من المهم أن تُقال بحيث يصبح غياب هذه الجوانب (مهما قيل غيرها من حقائق) ملحوظاً ومستوجباً للتحفظ والنقد. وهذا هو ما أحب الآن أن أوضحه.
نفى د. نصر بحق وجود أي تعارض بين الدين وبين العمل الفني الجيد، وقدم شواهد عدة على احترام الدين الإسلامي للفن بمختلف صوره من شعر وأدب، وخطابة وموسيقى، وفنون تشكيلية ومعمار، بل قال وبحق أيضاً أإننا إذا استبعدنا من إنجازات الحضارة العربية والإسلامية، ما ساهمت به في الميادين الفنية المختلفة لثار التساؤل الجريء عما يبقى من هذه الحضارة.
وأشار إلى أن العرب والمسلمين قد رأوا مختلف التماثيل القديمة، في البلاد التي فتحوها، فرعونية ويونانية ورومانية وبوذية، ولم يمسّوها ولا تعرضوا لها، ثم تساءل بسخرية: هل كان العرب والمسلمون على مرّ العصور، على ضلال مبين، ينتظرون فقط مجيء المسلمين الأفغان ليعرفوهم الفرق بين ما يقبله الدين وما يرفضه، بين الدين الحقيقي وغير الحقيقي، فيكتشفوا فجأة أن تماثيل بوذا حرام ومن ثم يجب تحطيمها؟
واستعان د. أبوزيد لتأييد موقفه بشهادة مفكر إسلامي عتيد هو سيد قطب، فألقى على الحاضرين جزءاً من كتاب لسيد قطب كان قد نشره في بداية اتجاهه نحو الكتابة في الإسلاميات، وكان الكتاب يعالج الجوانب الفنية والجمالية في أسلوب القرآن الكريم، فقال كلاماً لا يمكن أن يوافق عليه الآن المتطرفون الذين يستهجنون كثيراً من الأعمال الفنية ويعتبرون القيام بها كفراً.
وجدت كل هذا الكلام مقنعاً تماماً، فما الذي يمكن أن يتحفظ عليه المرء في محاضرة د. أبوزيد؟ كان لا بد أن ألاحظ خلال المحاضرة، أنها ركزت على نمو الاتجاه اللا عقلاني في التفكير، ودوره في اتخاذ هذا الموقف اللا عقلاني من الفن، فاتخاذ موقف «التحريم» من الفنون، وهو الموقف الذي ناقشه د. أبوزيد، موقف لا يتفق مع العقل ولا يستسيغه عاقل.
ومن ثم صبّ المحاضر كل غضبه على اعوجاج التفكير وشذوذه، وتساءل متعجباً كيف يصاب المصريون أو العرب أو المسلمون بهذا الاختلال المفاجئ في طريقة التفكير؟ وكأن لوثة أصابت المرء فأفقدته صوابه، فاتخذ من الفن هذا الموقف الغريب.
هذا المنحى الذي اتخذه د. أبوزيد في محاضرته ليس منحيً جديداً، بل هو موقف مألوف من العديد من المفكرين والكتاب الذين ناقشوا ظاهرة التطرف الديني، منذ ظهرت على سطح الحياة الثقافية في السبعينات من القرن الماضي، ابتداء من كتاب د. زكي نجيب محمود ود. فؤاد زكريا، ومروراً بكتابات د. سعيد العشماوي وفرج فوده، وحتى د. نصر حامد أبوزيد.
إنهم كلهم يعبرون عن موقف سليم، ويدافعون عن عقلانية مطلوبة ومرغوبة، ويوضحون اختلالاً حقيقياً في المنطق وفي ترتيب الأولويات، ولكن كلهم يتكلمون وكأن المرض مرض عقلي لا نعرف من أين جاء، ومتى حدث؟ وتصوير الأمور على هذا النحو من شأنه أن يفتح المجال واسعاً للسخرية من المتطرفين ولتقريعهم، ولكنه لا يتقدم بنا كثيراً نحو فهم السبب الحقيقي لما حدث.
إن المجتمعات لا تصاب بلوثة عقلية فجأة، تحولها من العقلانية إلى اللاعقلانية، بل تمر بأزمات أو متاعب أو تطورات اجتماعية واقتصادية تفرض على الناس أو على شرائح واسعة منهم، أنماطاً حديثة من السلوك وأساليب جديدة في التفكير.
وقد تكون هذه الأساليب الحديثة في التفكير أكثر أو أقل عقلانية مما كان سائداً في الماضي، ولكنها هي أيضاً، مثل مختلف أنواع السلوك والعلاقات الاجتماعية، نتيجة (كثيراً ما تكون حتمية) لما جد من ظروف الحياة الاجتماعية. فتحليل ظاهرة التطرف إذن يحتاج إلى باحث اجتماعي، وليس إلى طبيب نفسي متخصص في الأمراض النفسية أو العقلية.
كاتب مصري
