في عادة الأمر، كلما تزداد الضغوط الخارجية، كلما تتسارع الحلول الداخلية. هذه مسألة طبيعية جداً في دول العالم الثالث. فلا يوجد حل داخلي في دولة من دول العالم الثالث إلا بضغوط وتدخلات خارجية دبلوماسية أو مسلحة، وفق اتجاه الرياح. الذي حدث في لبنان مختلف تماما هذه المرة. كلما زادت الضغوط الداخلية كلما وجدت الحلول الخارجية.
وهو أمر محير تماما. فقد ظلت المسائل في لبنان معلقة دون حل على مدى شهور طويلة، وربما سنين طويلة وبالتحديد منذ اغتيال رفيق الحريري قبل ثلاثة أعوام. واعتقدنا أن الأجواء المتأزمة في لبنان بين مختلف الطوائف تشير إلى أنها سوف تنتهي بهم إلى حرب أهلية جديدة تصب في مصلحة أطراف خارجية.
وشكلت الأحداث الأخيرة الشرارة التي كادت أن تصل بالفرقاء إلى ما كنا نخشاه نحن منه عليهم ، وليس ما يخشونه هم منه على أنفسهم! وكالعادة تبدأ الاشتباكات في لبنان أولا بالتصريحات غير المقيدة على لسان القادة ثم تنتقل بعدها إلى الاشتباك بالأيدي في الشوارع بين الموالين لكل حزب، ومن ثم إلى استخدام السلاح، حيث تدخل فيه عناصر أحيانا تكون دخيلة هدفها رمي الزيت على النار.
ولكن محاولات التدخل الخارجي العربي والغربي لم تنجح في حل الأزمة. وظلت معظم الأطراف الداخلية متمسكة بمواقفها. إلى أن جرت مسألة شبكة الاتصالات التابعة لمقاومي لحزب الله اللبنانيين إلى نقطة اللا عودة. وتدخل سلاح حزب الله بطريقة وضعت الأغلبية ومعها الموالاة في موقف لا تحسد عليه.
واكتشفنا كم هو هش الوضع السياسي والأمني والطائفي في لبنان. ولولا هذا التدخل من قبل حزب الله الذي وصفه قادة الموالاة بالانقلاب (رغم تيقن الجميع في داخلهم بأن حزب الله لم يكن - بعدما اشتهر بمقاومته ضد الاحتلال - يخطط لعملية انقلابية داخلية تقلب لبنان رأسا على عقب وتجعل منه ساحة معركة دامية).
وربما أيضا لولا هذا التدخل من قبل حزب الله وبتلك السرعة المفاجأة لما توصل الفرقاء إلى اتفاق الدوحة. فجأة انتخب الرئيس. وفجأة تم تشكيل حكومة وحدة وطنية. وفجأة رفع الاعتصام الذي تنفذه المعارضة في وسط بيروت.
وخرج المتحاربون وهم يبتسمون. مع أنه لا أحد يعلم إلى متى ستظل ترتسم الابتسامة على وجوه الاخوة الأعداء. لا أحد ينكر أن الخارج ساعد أيضا في نجاح وإنجاح الحوار الوطني الذي استضافته العاصمة القطرية الدوحة، اعتمادا على الضغط الداخلي الذي كان يطلق عليه سابقا بالاحتقان.
ما يهمنا هو أن هذا الاحتقان أو الضغط وصل إلى مرحلة ما قبل الانفجار، وعندما وجد راسمو السياسة اللبنانية من الخارج بأن الخيوط بدأت تفلت من بين أيديهم والكرة من بين أرجلهم وتتحول لبنان كما حصل في العراق إلى خربة تختبئ فيها خلايا متشددة لا تعرف الهوادة إضافة إلى سلاح حزب الله الذي أثبت أنه هو سيد الموقف في لبنان حتى في عقر دار الموالاة، فقد كان لا بد من إيقاف فكرة تحويل لبنان إلى ملعب كرة قدم لفرق الدرجة الأولى والعرب مجرد متفرجين.
اليوم الكل يبدي تفاؤله ويحاول نسيان الماضي. وأهالي لبنان أعرف بشعابها، وفهموا للمرة الألف بأن استقرار لبنان يأتي من التوافق الداخلي وليس من التعليمات الخارجية، وبقوى الشعب اللبناني وليس بقوى مخابرات الدول ذات المصالح الإقليمية.
نحن أمام اتفاق يقع ضمن سلسلة اتفاقات سابقة، وخروج أحدهم عما تم الاتفاق عليه بأي حجة كانت لن تدمر من خرج فقط ولكن لبنان بأكمله قد يصاب من جديد بمرض النزف المزمن. ساعدت جهود قطر والجامعة العربية المتواصلة كثيرا في التوصل إلى هذا الاتفاق، لأنها أدركت في اللحظة الأخيرة بأن القضية اتخذت منحى خطيرا وأنها أكبر من أن تترك لمزاج اتجاهات الرياح الداخلية.
وبأن الأمور بلغت مرحلة مقلقة حتى لدول الجوار يتوجب فيها تقديم التنازلات من قبل الجميع وإلا فإن الأسوأ سيقع لا محالة. والأسوأ هو أن تنقلب حسابات بعض الأطراف الخارجية لتصبح ضد ما تخطط له على المدى البعيد. وألا يتم تجريد حزب الله من سلاحه.
والحقيقة الواضحة هي أن الخروج من الحوار الوطني بمبدأ: (لا غالب ولا مغلوب) هو ليس فقط للبنانيين، ولكن لكل من له خيط في العقدة اللبنانية وعقدة الهيمنة على المنطقة التي تغوص منذ غزو الكويت قبل أكثر من ربع قرن في مستنقعـ الخلافات الأخوية الدامية المستمرة.
بالطبع هناك أمور أخرى ساعدت على انفراج الأزمة إضافة إلى الضغط الداخلي: نذكر منها التفكير الجدي من قبل النظام السوري (الذي مل من الحصار العالمي والاستفزاز الإسرائيلي ضده) في التوصل إلى اتفاقية سلام دائمة مع إسرائيل تفتح له أبواب العالمية المغلقة عليه.
وضعف النفوذ الأميركي في المنطقة نتيجة لخوضها حروبها غير المدروسة النتائج في العراق وأفغانستان، والمحاولات اليائسة للجانب الفرنسي منذ تولي ساركوزي رئاسة الحكم في فرنسا (وانشغاله بأموره الخاصة وهبوط شعبيته بين مواطنيه)، في إعادة فرض هيمنته على الدول التي كانت في السابق مستعمرات فرنسية، إلا أن الفوضى الأخيرة التي تفجرت فجأة في الشارع اللبناني وتدخل سلاح حزب الله في فرض هيبته عليه وعلى مناطق أخرى من لبنان عجلت من هذا الاتفاق.
وما دام الاتفاق حصل نتيجة لهيبة أو لخوف أو لاستخدام شكل من أشكال القوة، أو بفرض من الخارج، فإن النفسية اللبنانية (وكذلك الخارجية ممن تشعر بمدى خطورة سلاح حزب الله على مصالحها) ستظل تحمل في طيات نفسها الرغبة في الانتقام متى وافاها الظرف المناسب. وربما تبدأ في التخطيط منذ هذه اللحظة بعد أن تنفست الصعداء وأعادت ماء وجهها.
فتجريد حزب الله من سلاحه سيوضع بعد اليوم على رأس قائمة البحث والدراسة والنقاش. فهل ستكون خطوة الدوحة بداية توصلنا إلى أن نقول قريبا (وداعا لسلاح المقاومة الإسلامية الأخير) الذي يملكه العرب والمسلمون في مواجهة الخطر الصهيوني المتربص منذ ستين عاما بلبنان والعرب والمسلمين على حد سواء؟.
جامعة الإمارات