حضرت قبل يومين فعاليات المنتدى الاقتصادي العالمي في شرم الشيخ، وفي إحدى الجلسات التي كان عنوانها «هل الخليج مقبل على انهيار اقتصادي» أقر جميع المتحدثين بأن الحديث عن أي انهيار اقتصادي في المنطقة هو ترّهات لا سبيل لها من الصحة.
حيث تشير الأرقام والمؤشرات الاقتصادية بأن المنطقة تسير نحو نمو مستقر في معظم جوانبه. أحد المتحدثين تساءل عن سرّ استخدام الناس لكلمة (انهيار) وقال بأنه لا يوجد مصطلح اسمه انهيار اقتصادي، وإنما ركود ثم كساد. فحتى عندما (انهار) الاقتصاد الأميركي في عشرينيات القرن الماضي كان الناس يسمون تلك الفترة (الكساد العظيم) أما مصطلح الانهيار الاقتصادي فهو مصطلح جديد ولم يتداول إلا منذ فترة بسيطة عند الحديث عن اقتصاد منطقة الشرق الأوسط.
عندما فتح الباب للأسئلة وقف رجل قد بدت عليه ملامح الغضب، حيث خلع معطفه ورماه على كرسيه، ثم طوى كمي قميصه وتناول الميكروفون وقال:«لماذا يتحدث الغرب بسلبية مطلقة عن العرب! ولماذا يروجون بأن اقتصاد المنطقة سينهار لا محالة في الوقت الذي يرى فيه العالم أجمع أن بوادر الانهيار بدت واضحةً في أميركا!
ألم ير الغرب بأن في المنطقة شركات ناجحة تنافس شركاته العالمية؟ لدينا أقوى طيران في العالم، ولدينا أيضاً إحدى أسرع شركات الاتصالات نمواً في العالم، ليس لأن زبائننا كثر ولكن لأننا نمتلك أساليب إدارة ناجحة تفوقت على أساليب كثيرة لدى الغرب».
عدت بالذاكرة في تلك اللحظات إلى مكتبي في البيت، حيث تكدست عليه أكثر من عشر مجلات أميركية وبريطانية في مجالات الاقتصاد والسياسة وإدارة الأعمال، تحمل جميعها - بلا استثناء - أغلفة تتحدث عن قرب كساد عظيم ثانٍ في الولايات المتحدة.
إذن لماذا يقولون بأن منطقتنا العربية هي التي تتجه نحو انهيار اقتصادي؟ ثم تذكرت قصة رواها لي دبلوماسي يعمل في سفارة الإمارات في كابول. يقول بأن المزارعين الأفغان لم يكونوا يعلمون ما هو الأفيون، حيث كانوا يستأصلون تلك النبتة التي كانت تنبت بشكل تطفلي في حقولهم دون أن يلقوا لها بالاً. وفي يوم ما أرسلت الأمم المتحدة فريقاً من الخبراء إلى أفغانستان ليجوبوا القرى ويحذروا أهلها من الأفيون.
ثم قام الفريق بوضع لوحات تحذيرية على معظم طرقات أفغانستان وفي القرى، كتب عليها (احذروا الأفيون) إلى أن أدرك المزارعون الأفغان بأن هذه النبتة تستخدم كمخدر وتباع بملايين الدولارات في مختلف بقاع العالم. ومن يومها أصبح المزارعون الأفغان الفقراء من أكبر تجار المخدرات في العالم، وأصبح الأفيون تجارتهم الأولى.
وقبل عدة أيام أيضاً كنت أقلّب قنوات التلفاز فوقعت عيني على برنامج (شبابي) في إحدى القنوات الجديدة، وهو عبارة عن مسابقة غنائية لمجموعة شباب خليجي يلبسون لباس فرق (الهيب هوب) الأميركية ويدعون برنامجهم (هيب هوبنا)، حيث يكتب هؤلاء الشباب أغانيهم على طريقة الهوب الأميركية ويغنونها بنفس الطريقة أيضاً. بل ويلبسون نفس اللبس الأميركي، حتى أن حديثهم كان بلكنة أميركية صرفة.
وفي إحدى جولاتهم على الساحل الغربي للمملكة، وقفوا على شاطئ البحر وقالوا للكاميرا: شويَّ يَّ طمَُّّ سيلم قفق؟، أي هذا هو الساحل الغربي يا عزيزتي، في إشارة إلى الساحل الغربي للولايات المتحدة الذي يشتهر باحتضان هذا النوع من الغناء.
في برنامج هيب هوبنا يقود الشباب الخليجي سيارات أميركية «فقط» ويتحدثون الإنجليزية حتى وهم يلبسون الثوب الخليجي، ويقولون بأنهم يحلمون بأن يقفوا بكل فخر أمام جمهور أميركي حقيقي ليغنوا لهم (الهيب هوب العربي).
عندما عدت بوعيي إلى القاعة عرفت لماذا يتحدث الغرب عنا بسلبية كما قال ذلك الشخص، فهم لا يرون نجاحاتنا، ولا أعني ماضينا الذي ما زال الكثير منا يعيش فيه.
ولكن حاضرنا الذي بدأت تطل منه بعض التجارب الاقتصادية النيّرة التي تستحق أن نتباهى بها أمام الآخرين مثلما يفعل الآخرون. فلماذا نقرأ كتباً عن غوغل ولا نقرأ شيئاً عن طيران الإمارات؟ ولماذا نجد أبحاثاً علمية كفَّم َُِّّّليمَّ عن نوكيا ومرسيدس ولا نجد شيئاً عن موانئ دبي أو شركة زين مثلاً؟
عندما يعقد المنتدى الاقتصادي العالمي في الشرق الأوسط فإن معظم جلساته تدور حول مشكلات المنطقة، بينما نجد أن جلسات المنتدى المنعقد في دافوس سنوياً تتنوع بين القضايا الاقتصادية والسياسية وآخر صيحات التكنولوجيا، وجديد الاختراعات العلمية، والفنون والثقافة وغير ذلك من جوانب حية في أي مجتمع. حتى أن شركة نيسان أعلنت بأنها ستعرض أول سيارة لها تعمل بغير الوقود في منتدى دافوس الذي سينعقد في عام 2010.
فلماذا نتقوقع على أنفسنا عندما ننجح، ونتبجح عندما نظن بأننا نجحنا؟ هل يعقل أن تكون «مياعة» هيب هوبنا أجدر بالعرض والتباهي أمام العالم من نجاحاتنا الإدارية والاقتصادية؟ وهل يصح أن تكون غالبية النخب العربية مهووسة بالمصائب والمشكلات السياسية ولا يوجد من يبيّن الجانب المشرق من هذه الأمة! وهل فعلاً يسعى الغرب لتشويه صورتنا أم أننا نحن أيضاً نساهم في تشويه هذه الصورة بطريقة أو بأخرى؟
يلخّص الفيلسوف الإسلامي مالك بن نبي هذه الحال في كتابه شروط النهضة حيث يقول:«من هنا يأتي عقمنا الاجتماعي، فنحن حالمون ينقصنا المنطق العملي. ولننظر إلى الأم التي تريد أن تربي ولدها، فهي إما أن تبلده بمعاملة أمّ متوحشة، وإما أن ترخي له العنان وتتميع معه، فإذا أبدت إشارة أو أصدرت أمراً شعر الطفل بتفاهة إرادتها فلم يعبأ بها، إذ إن الوهن والسخف يطبعان منطق قولها، حتى في عين هذا الصبي المسكين».
كاتب إماراتي