زيارة بوش الأخيرة للمنطقة، والتي بدأها في الرابع عشر من هذا الشهر، بمشاركة إسرائيل احتفالاتها بالعام الستين على قيامها، هذه الزيارة بددت الكثير من أوهام المعتقدين بنجاح المساعي الدولية من أجل تحقيق تسوية للصراع الفلسطيني ــ الإسرائيلي أو كحد أدنى في تطبيق رؤية الدولتين.
فبقدر ما أثارت خطابات بوش ارتياحاً كبيراً لدى الإسرائيليين، فإنها أثارت غضب الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي طالب واشنطن بالحد الأدنى من الحياد، فضلاً عن الرئيس المصري حسني مبارك الذي امتنع عن الاستماع مباشرةً لخطاب بوش في مؤتمر منتدى دافوس الذي انعقد هذا العام في شرم الشيخ بمصر. فكيف لنا أن نتصور ردود الفعل العربية الشعبية؟
الرئيس مبارك لخص ما يمكن اعتباره موقفاً عربياً، حين حذر من أن العرب لن يوفروا غطاءً لاتفاق سلام يهدر حقوق الفلسطينيين، فيما اعتبر دوف فايسغلاس مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، خطاب بوش بأنه تعهدات تشكل سابقة في تاريخ العلاقات الأميركية ــ الإسرائيلية.
فايسغلاس الذي التقى بوش مرات عديدة، يعترف بأن الرئيس الأميركي يكن محبةً كبيرةً لدولة إسرائيل وشعبها، ويشيد بدور الإحساس الشخصي لدى بوش والذي يعطي اهتماماً في صياغة تصميم السياسية بما يفيض عن طبيعة المصالح التي تقوم عليها العلاقات السياسية بين البلدين.
يعدد لنا فايسغلاس مؤشرات حرارة البعد الشخصي في سياسة بوش إزاء إسرائيل فيقول: في خطاب بوش خلال يونيو 2002، وضع الأساس للمبدأ الذي يقضي بأن تصفية »الإرهاب« ومنظماته هو الشرط المسبق لكل مفاوضات فلسطينية ــ إسرائيلية، وهو ما سجلته خارطة الطريق التي تحظى باعتراف دولي جارف. كما تشكل علامة أخرى بارزة، وهي رسالة الضمانات التي قدمها بوش لشارون في الرابع عشر من أبريل 2004، واعتبرها الفلسطينيون في حينها وعد بلفور آخر.
ثم ما ورد في خطاب بوش أمام الكنيست في الخامس عشر من الشهر الجاري عندما أدرج الاعتراف بالحق الديني التاريخي والسياسي لشعب إسرائيل في دولة يهودية مستقلة في أراضي إسرائيل، وتنديده بــ»الإرهاب« بشكل مطلق، وإعلانه غير المسبوق عن الالتزام بأمن إسرائيل الذي تحول وفق بوش إلى واجب شخصي يقع على عاتق كل واحد من مواطني الولايات المتحدة.
يلخص فايسغلاس رأيه فيما قاله بوش من على منصة الكنيست بالقول: »مشكوك فيه أن يكون بوسع زعيم إسرائيل أن يحسن أكثر منه التعبير عن مواقف لصالح إسرائيل«. وفي الحقيقة فإن خطاب بوش أمام الكنيست يشكل صفعة قوية لكل الواهمين بدور أميركي، لا نقول حيادي أو متوازن، وإنما ينطوي على الحد الأدنى من تقدير مشاعر وحقوق الفلسطينيين والعرب.
فعدا عن ما أشاد به فايسغلاس، يمكن تسجيل المزيد من المواقف التي تدل على مدى الالتزام الشخصي للرئيس الأميركي إزاء إسرائيل. مرةً أخرى يشيد بوش بإسرائيل باعتبارها الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، وكأنه بذلك يطلق حكماً على الأنظمة العربية وغير العربية في المنطقة.
بوش تحدث أيضاً عن »أرض إسرائيل الكبرى«، وهي مقولة صهيونية لم تعد تتردد على ألسنة السياسيين الإسرائيليين خلال العقود الأخيرة، ذلك أن وقائع الصراع والأحداث تجاوزت ذلك الحلم الذي ترسمه إسرائيل على علمها.
ومرةً ثانية أعاد بوش تبني المقولة الصهيونية الشهيرة »أرض بلا شعب لشعب بلا أرض«، حين قال »إن إسرائيل قدمت إلى هذه الأرض التي كانت صحراء ثم تحولت إلى دولة متحضرة«.
وإزاء القرارات الدولية المتعلقة بالصراع وبالحقوق الفلسطينية، انتقد بوش »الأمم المتحدة التي أخطأت حين اتخذت قرارات ضد الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط كما لم تصدرها ضد أي دولة أخرى«.
هكذا فإن بوش الذي جاء وسيطاً لمعالجة الصراع الفلسطيني والعربي ــ الإسرائيلي ولدفع عملية السلام المتعثرة، يكون قد وضع لغماً كبيراً في طريق قطار التسوية، وحكم مسبقاً بالفشل على دور الولايات المتحدة بما يفرض على الفلسطينيين والعرب وعلى الأطراف الفاعلة في الرباعية الدولية، ضرورة إعادة النظر في أدوار القوى الدولية إزاء إمكانية التوصل إلى تسوية.
فكيف يمكن لأي طرف أن يتعامل بثقة وتفاؤل مع سياسية أميركية تؤكد لإسرائيل حقوقاً تاريخية وسياسية، استناداً إلى ما قال عنه بوش بالوعد الإلهي، وتتجاهل الحد الأدنى من حقوق الفلسطينيين التي أكدت عليها الأمم المتحدة خلال ستين عاماً، رغم أن تلك القرارات هي أيضاً قاصرة عن الاستجابة للحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني ومقصرة في التعامل مع إسرائيل التي تستحق أن تساق كلها إلى محكمة جرائم الحرب؟.
لم يشر بوش، لا من على منصة الكنيست ولا في خطابه أمام منتدى دافوس بشرم الشيخ، إلى أي من الحقوق الفلسطينية سوى الحق في إقامة دولة وهو حق مؤجل، لأن بوش لا يرى خلال ما تبقى من وقت سوى إمكانية الاتفاق على تحديد ملامح ومواصفات الدولة الفلسطينية.
وأكثر من ذلك، أن بوش استخدم لغة تحريضية شديدة الوضوح ضد ما يسميه محور الشر في المنطقة والذي يتشكل من إيران وسوريا وحزب الله وحركة حماس الذين يتوعدهم الرئيس الأميركي بحرب لا هوادة فيها.
وفي الحقيقة فإن الولايات المتحدة تعمل كل الوقت على إثارة الأزمات في المنطقة وفتح الكثير من الملفات كترجمة لسياسة الفوضى الخلاقة، بدون العمل على إغلاق أي من هذه الملفات التي يفتح المزيد منها في طول المنطقة وعرضها.
ويبدو أن إسرائيل لا تنتظر تقدماً في المفاوضات الجارية مع الفلسطينيين أكثر مما تنتظر وتعمل من أجل التحريض على شن حروب، خصوصاً ضد إيران ومن ينتمي إلى حلفها. فبينما تتوقع وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس تكثيفاً للمفاوضات، فإن وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني، تدعو إلى عدم تعجل اتفاق فلسطيني ــ إسرائيلي.
إن كان هذا ما تدعو إليه ليفني فإن أحداً لا يعرف كيف لأيهود أولمرت أن يفي بوعد قطعه على نفسه أمام الرئيس بوش من على منصة الكنيست، حين قال إن الكنيست سيصادق على اتفاق سلام؟.
وكم بقي من الوقت حتى يمكن التوصل لاتفاق فيما الرئيس محمود عباس يقول »إننا نتفاوض مع الإسرائيليين ولكننا لا نريد أن نبيع أوهاماً، ونقول إنه قد تم حل الأمور أو أنها ستنتهي قريباً«، مضيفاً »أن كافة الملفات لا تزال مفتوحة ولا نريد أن نؤجل أياً منها، ولكن إلى الآن لم يغلق أي ملف واحد«؟
في الواقع فإن على الفلسطينيين والعرب، أن يتحضروا لمجابهة تحديات خطيرة خلال الصيف المقبل، إذا لم يكن من باب المزايدة، إعلان رئيس الكونغرس الأميركي الديمقراطي نانسي بيلوسي التي شاركت هي الأخرى إسرائيل في احتفالاتها، إعلانها عن أن إيران لا تشكل فقط خطراً على إسرائيل والمنطقة وإنما أيضاً على السلام العالمي، وبالتالي اعترافها بأن الخيار العسكري ضد إيران أصبح مطروحاً.
أن يستعد العرب لمجابهة تحديات الصيف الساخن، يعني ضرورة التعجيل في إنهاء الانقسام الفلسطيني، والتعجيل في إجراء مصالحات عربية ــ عربية، وإغلاق بعض الملفات كالأزمة اللبنانية وكل ذلك قبل اجتماع وزراء الخارجية العرب الذي أعلنه الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسي خلال قمة دمشق، أنه سينعقد في شهر يونيو، ليقيم الموقف من العملية السلمية.
كاتب فلسطيني