تبدو إسرائيل للمشاهد الأوروبي والأميركي من الخارج دولة علمانية ديمقراطية مسالمة متحضرة تواجه بصبر العنف العربي والإرهاب رغم المصاعب الناجمة عن صغر المساحة وقلة الإمكانيات الطبيعية.
ونادراً ما يمر يوم دون أن نسمع أحدهم (سياسياً كان أم صحافياً أم كاتباً أم حتى مؤرخاً) يلهج بمدح إسرائيل ويؤكد أنها واحة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، ويدين العنف الفلسطيني والإرهاب الإسلامي الذي يهدد هذه الدولة (الواحة)، ولم يتبادر لذهن هؤلاء الغربيين أن يسألوا أنفسهم هل إسرائيل هي فعلاً دولة علمانية وديمقراطية ومتحضرة ومسالمة وتمتلك معايير الدولة الحديثة؟ ولو فعلوا ذلك لاكتشفوا حبل الوهم والخداع الذي هم فيه.
إن من يحاول اجتياز القشرة الخارجية التي تغلف المجتمع الإسرائيلي والدولة الإسرائيلية بموضوعية وحيادية سيرى تناقضات صارخة فيهما (المجتمع والدولة) تنخر بجسم المجتمع وتؤكد أن الدولة الإسرائيلية ما هي إلا مجتمع يقوده عسكريون ومتطرفون وكل ما يقال عن انسجام المجتمع وتطوره ومستواه الثقافي الرفيع وديمقراطية الدولة وغيرها من الأوصاف هي أكاذيب استطاعت الصهيونية أن تخدع العالم بها.
يؤكد الإسرائيليون وأنصارهم في العالم الغربي عمق ديمقراطية إسرائيل ويرون أنها تصلح نموذجاً يحتذى به في أي مجتمع يريد التقدم والازدهار، ولكن قليلاً من التدقيق وبالعودة إلى مفهوم أن الديمقراطية هي من معايير الدولة الحديثة نكتشف أن هذه المعايير غير موجودة في الدولة الإسرائيلية وغير مطبقة إلا على اليهود من سكانها، فمرجعية المواطنة ليست هي المرجعية الأساسية بالنسبة للعرب (الإسرائيليين) الذين تتجاوز نسبتهم 20% من عدد السكان.
وغالباً ما تطبق عليهم مرجعيات أخرى، في الوقت الذي لا توجد فيه حتى رائحة مساواة أو تكافؤ فرص بينهم وبين اليهود في إسرائيل، فليس للعرب واقعياً وعلى سبيل المثال الحق في تولي وظائف عالية في الدولة، ولا الاستفادة من خدماتها التربوية والصحية والاجتماعية التي تؤمنها للسكان اليهود.
وقد صودرت أراضي قسم كبير منهم منذ ستين عاماً تنفيذاً لقوانين صدرت خصيصاً لهذه الغاية كقانون أملاك الغائبين مع أن قسماً من هؤلاء لم يغب ولم يلجأ لبلد آخر ومازال في قريته يرى أرضه المصادرة بعينيه ولا يستطيع استخدامها باعتباره غائبا على الورق، كما أن السلطات الإسرائيلية ترفض في الواقع الموافقة على أي خريطة توسع لأية مدينة عربية وبالتالي لا يستطيع العرب بناء بيوت جديدة ويتكدسون في بيوتهم القديمة مهما زاد عدد سكان الأسرة.
وهذه أمثلة مجرد أمثلة فقط عما يعانيه العرب في إسرائيل من تفرقة في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والإدارية والخدمية ووظائف الدولة والتعليم وغير ذلك، حتى أن نصف السكان العرب في إسرائيل يعيشون تحت خط الفقر، فأي ديمقراطية هذه التي تحرم خمس سكان البلاد من معظم حقوقهم كمواطنين وتتعامل معهم كأغراب ومع ذلك يتباهى بها الغربيون والإسرائيليون على حد سواء.
منذ تأسيس إسرائيل صدر قانون فيها يسمح لأي يهودي في العالم القدوم إلى إسرائيل ويستطيع اكتساب الجنسية الإسرائيلية منذ أن تطأ قدماه أرض المطار وتقدم له مساعدات وخدمات من مختلف الأنواع ريثما يستقر ويتأقلم في المجتمع الإسرائيلي، وذلك تحت مبرر أن اليهود كانوا في فلسطين قبل ألفي عام ولهم فيها حقوق تاريخية.
ومن حق كل منهم أن يعود إليها فوراً في ظلال قانون العودة، بينما يمنع من جانب آخر على العرب (الإسرائيليين) جمع الشمل أو عودة أقربائهم كما يمنع عودة المهجرين العرب الذين هربوا من الحروب الهمجية والعنف وجرائم الحرب التي ارتكبتها العصابات الصهيونية، فكيف يستقيم وصف إسرائيل بالديمقراطية مع هذه المعاملة المزدوجة للمواطنين والتفريق الصارخ بين فئة منهم وفئة أخرى.
من طرف آخر يتباهى الإسرائيليون وأنصارهم وبعض السياسيين والكتاب الغربيين بأن إسرائيل دولة علمانية في محيط من التطرف الديني أو القومي أو غيرهما، ويتساءل المراقب المحايد كيف يمكن أن تكون دولة علمانية وهي تعفي طلاب المدارس الدينية اليهودية من الخدمة العسكرية وتقدم لهم الامتيازات (مما جعل أعدادهم تتجاوز عشرات الألوف) كما تقدم المساعدات المالية وغير المالية للمؤسسات الدينية والأحزاب الدينية.
ثم لماذا لا تقدم هذه الدولة المساعدات نفسها والامتيازات نفسها للمؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية ولطلاب مدارسها إن كانت ترى فيها ضرورة ظرفية لابد من تبني تطبيقها؟ فأي علمانية عرجاء هذه؟
أشير أخيراً إلى أن صفتي الدولة المتحضرة والمسالمة اللتين تطلقان على إسرائيل هما كذبتان صريحتان تخالف كل منهما الواقع، فأي دولة متحضرة هذه التي ترفض تطبيق مقررات الشرعية الدولية صغيرها وكبيرها منذ تأسيسها حتى اليوم وهي لم تنفذ قراراً واحداً من مقررات هيئة الأمم المتحدة أو مجلس الأمن أو المؤسسات التابعة لهما. وتتمرد على كل شرعية، فأين التحضر في مثل هذه الممارسات التي تؤكد أن إسرائيل دولة مارقة وليست دولة متحضرة كما يريد البعض توصيفها.
أما أنها دولة مسالمة فتلك نكتة سوداء تعريها الوقائع كل يوم، فالقتل والتدمير والعمليات الإرهابية والجدار العازل وبناء المستوطنات على أرض الغير ومصادرة الأراضي ورفض الاعتراف بحقوق الفلسطينيين وغيرها هي مؤشرات على عدوانية الدولة وبعدها عن أن تكون دولة مسالمة، فأية دولة متحضرة ومسالمة هذه ؟
يمكن للدارس أن يتابع عشرات التناقضات والممارسات في إسرائيل ليتأكد أن باطنها غير ظاهرها وأن ما يقال عنها في الخارج إما أنه جهل أو تدليس، ويبقى التساؤل قائماً كيف تكون الدولة ديمقراطية ومحتلة، علمانية ودينية، متحضرة وترفض الشرعية الدولية، مسالمة وترتكب أبشع أنواع المجازر، إنها تناقضات تشير إلى الأكاذيب التي تحيط بهذه الدولة.
كاتب سوري