حين بدأت المفاوضات الأميركية - الإيرانية في العراق حول فرص تحسين الوضع الأمني فيه، اكتسبت زخماً كبيراً شجع البعض على التفاؤل بتلطيف الأجواء الشديدة التوتر بين البلدين، على قاعدة خلافات جوهرية أبرزها تهديد إيران المستمر لإسرائيل وبرامجها الكبيرة للتسلح ومساندتها للحركات والأحزاب الدينية المعادية للسياسة الأميركية في أماكن عدة من الشرق الأوسط، ودورها المعقد في العراق الذي يتعارض مع المصالح الأميركية، وبرنامجها النووي المثير للجدل.

وتأتي هذه المفاوضات بسبب حاجة الطرفين لتأمين مصالحهما في المنطقة بشكل عام وفي العراق بشكل خاص. الجانب الأميركي بحاجة إلى وقف التدهور في الأوضاع الأمنية في العراق وتجنب فشل مشروعه في الشرق الأوسط، في حين يطمح الجانب الإيراني في كسر الجليد القائم بينه وبين القوة العظمى التي تهدد برامجه الطموحة والتي تقبع أساطيلها الجوية والبحرية على مرمى حجر من حدوده.

ولعل المواعيد المتقاربة التي عُقدت فيها الجولات الثلاث من المفاوضات على مستوى سفراء الدولتين في بغداد، في مايو ويوليو ثم في أغسطس من عام 2007، قد عكست للمهتمين بالشأن العراقي رغبة مشتركة في التعاون لإعادة الأمن والاستقرار إلى الساحة العراقية، وعكست كذلك رغبة كل من الطرفين في كسب الوقت لمراجعة سياساته، وقد وجد الطرفان فيها فرصة سانحة لاختبار النوايا المبيتة، عن كثب، لدى كل طرف تجاه الطرف الآخر.

لم تثمر الجولات الثلاث من المفاوضات عن شيء، فسياسات الدولتين في القضايا الشائكة التي بينهما لم يطرأ عليها تغيير يذكر، فالولايات المتحدة ممثلة في رئيسها لم تأل جهداً في التنديد بالسياسة الإيرانية أينما سنحت الفرصة لذلك، ولم تخف رغبتها في قيام نظام إقليمي جديد في المنطقة يعزل إيران ويحجم من دورها.

الجولة الرابعة من المفاوضات لم تعقد بعد، وقد تم تأجيلها مرات ومرات كان آخرها في أبريل المنصرم حيث أجلت إلى أجل غير مسمى. وها قد مضت عشرة شهور على انقطاعها، ويبدو أن الولايات المتحدة أقل رغبة عن ذي قبل للجلوس مع الإيرانيين، فهي لا تريد أن يكون ليد أخرى فرصة في فتح الملف العراقي وتقليب أزماته.

يمكن تلخيص نتائج الجولات الثلاث بالقول إنها لم تفلح في خلق أجواء من الثقة بين الطرفين بل العكس هو ما حدث، فالتقريران اللذان قدمهما كل من الجنرال ديفيد بترايوس والسفير رايان كروكر أمام اللجان المختصة في مجلس الشيوخ الأميركي، في الثامن والتاسع من أبريل المنصرم، فيهما تصعيد في الموقف ضد إيران على قاعدة وجود أدلة قوية على تورطها في إعاقة جهود القوات الأميركية في العراق.

ولكن مقابل ذلك الجمود في المفاوضات الأميركية - الإيرانية حصل تحرك مهم جداً في الوضع السياسي في العراق، فالولايات المتحدة ترى أن إقدام رئيس الوزراء العراقي على قيادة حملة واسعة وعنيفة ضد الميليشيات ومن ضمنها جيش المهدي في البصرة وفي مدينة الصدر.

لتجريدها من السلاح وإخضاع أفرادها لسلطة القانون، قد يجعلها مستعدة للتخلي عن الحاجة إلى دور إيراني في استتباب الأمن في العراق. فالخطوة الحكومية العراقية قد حظيت بتأييد ودعم واسع من قبل معظم الكتل السياسية العراقية، وهي أول مؤشر جاد على زيادة مساحة الإرادة العراقية في الشأن العراقي وتقليص مساحات إرادات الآخرين.

إلا أن إيران من جانبها قد حرصت على إيصال رسالة بهذا الخصوص إلى الولايات المتحدة، وهي أن وقف إطلاق النار الذي تحقق بين جيش المهدي والقوات الحكومية ما كان ليتحقق لولا الدور الذي لعبته طهران في ذلك، فقد دعمت إيران مهمة وفد الائتلاف العراقي الموحد الذي قام بمهمة التفاوض في إيران ومارست ضغوطاً على قيادات التيار الصدري.

ولكن هذه الرسالة الإيرانية قد لا تكون كافية لإقناع الولايات المتحدة بعدم التخلي عن طلب المساعدة الإيرانية، فالمعارك التي خاضتها الميليشيات المسلحة في البصرة وفي مدينة الصدر هي في نهاية المطاف معارك خاسرة أمام القوات العراقية والأميركية المشتركة، ووقف إطلاق النار لم يمنع الحكومة العراقية من فرض شروطها على التيار الصدري.

لا شك أن إيران تدرك أن المواقف الأخيرة للحكومة العراقية والجدية التي تصدت بها للميليشيات والنجاحات التي حققتها في هذا الصدد، قد أضعفت كثيراً من فرصها في لعب دور أساسي في تحسين الوضع الأمني في العراق، لذلك حرصت على إيصال رسالة أخرى ذات طابع إيجابي تجاه الحكومة العراقية وتجاه الولايات المتحدة.

وفحوى هذه الرسالة يتلخص في موقف الخارجية الإيرانية التي أعلنت عن تأييدها للحكومة العراقية واستنكارها لموقف مسلحي التيار الصدري معربة عن أملها في أن يلتزم الفرقاء العراقيون بضبط النفس والهدوء لحماية الأمن والاستقرار في المنطقة. وهذه هي المرة الأولى التي تعبر إيران فيها عن استنكارها لأنشطة المسلحين المعارضين للوجود الأميركي في العراق.

وفي ضوء نجاحات أخرى متوقعة في تحسين الوضع الأمني في محافظة نينوى وعودة الحياة إلى حالتها الطبيعية هناك، سوف لن تفتش الولايات المتحدة عن لاعبين يسعفونها في تحقيق الاستقرار في العراق خارج حدوده الجغرافية، وسوف لن يبقى العراق جسراً للتواصل بينها وبين إيران.

وعلى محور آخر لم تَنفض الولايات المتحدة يدها من التواصل مع إيران، فهي في طريقها إلى وضع إيران مجدداً أمام موقف محرج. فهنالك حزمة من الحوافز تسعى الولايات المتحدة مع حلفائها الأوروبيين وبالاتفاق مع روسيا والصين، إلى تقديمها لإيران مقابل وقفها لبرنامج تخصيب اليورانيوم. ومن المسلم به أن تواجه هذه المحفزات بالرفض من قبل إيران، وهو بالضبط ما تسعى إليه الولايات المتحدة لتبرير موقف حاسم تتخذه إزاءها في وقت لاحق.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae