الذي يعتمد الخداع والضحك على الذقون وبيع الوهم أخطر وأشرس من «الحرامي» الذي يسطو على محفظة أو منزلاً، وإن اجتمع الاثنان في جرم السرقة، ولكن شراسة الأول تنبع مع قدرة المحتال على إيهام زبائنه والإيقاع بهم. ومنهم الذين ينتشرون في أسواق العقارات هذه الأيام مستغلين الطفرة الحاصلة في البلد لبيع الوهم على الناس وخداعهم، على حد تعبير المهندس بن عمير مدير إدارة التخطيط والمساحة ببلدية عجمان على اثر قرار البلدية مخالفة الشركات العقارية التي باعت والتي تنوي بيع وحدات سكنية غير مرخصة.
بالفعل هناك من يستغل الظروف ويستغل مصداقية العديد من المشاريع العقارية الكبرى التي نشهدها في ربوع الدولة وعلى مستوى جميع الإمارات لكي يلعب على معطيات الأوضاع، وبالاعتماد على حقيقة أن الناس ستصدق طالما أنها ترى بعينها ما يحصل أمامها.
قرار بلدية عجمان وحسبما نشر جاء ضد شركتين قامتا ببيع وحدات سكنية في برج لم يرخص بعد ولم يعط الموافقة عليه، أي انها عملية بيع في الهواء والفراغ.. وهذا نموذج واحد من عشرات النماذج التي مرت على العقول، وهناك الكثير من الشكاوى مرفوعة ضد شركات بيع ووكالات عقار لعبت على الوتر نفسه.
هذا فضلا عن الوعود وعن أساليب الترويج التي تمارس فيها صنوف «الحذلقة» و«الفذلكة» على وعي الزبون ومشاعره وصلت إلى حد الكذب والتصريحات المغلوطة، فالمخططات على الورق والكتالوجات المصورة المثيرة والتي تظهر العقار وكأنه تحفة من تحف التاريخ المعمارية والمواصفات التي تتغنى بها الشركات في الحملات الدعائية والإعلانية كلها لعب وضحك على الذقون، والبعض ممن وقع ضحية في مثل هذا النوع من الترويج اكتشف بعد استلام العقار أن لا مساحات مضبوطة كما جاءت في الورق ولا خدمات ولا تشطيبات من النوع ال«ديلوكس».
نتحدث عن البعض وليس الكل، فهناك سوق عقار كبير في البلاد يتداول مليارات الدراهم، وهناك مستثمرون ومستهلكون وهناك أيضاً من يلعب في الدهاليز. ومثلما يتهيأ لهؤلاء كل التسهيلات من الجهات المعنية والقائمة بالترخيص، ومثلما توفر بلادنا الطيبة في مناخ من التفاؤل والخير والدفع باتجاه المستقبل والتأسيس له عبر بنى تحتية متكاملة تلبي الطموحات، فإنه من واجب الذين يستغلون كل هذا التسهيل، الالتزام بالصدق والمصداقية.
كثيرة هي التلاعبات التي تستهدف فيها عقول الناس ومشاعرهم، فقط للإيقاع بهم والتسلط على أموالهم من دون مراعاة ذمة ولا ضمير ولا احترام البلد الذي يبسط الأمن والرخاء للجميع. اليوم صار الغش المبدأ الصحيح في السوق بعدما انقلب المنطق عند البعض.
صار التلاعب والضحك على الذقون باستغلال الوسائل الحديثة سمة في هذا العصر اللاهث خلف المادة والمتغافل عن أهم مبادئ الشراكة والصدق والتعامل الإنساني..عصر السوق الذي يفتح المجال للفئتين الصالح والطالح ليختلط الحابل بالنابل.. لهذا وكلما سمعنا عن قرار يضبط السوق ويعمل على تنظيفه من المتلاعبين والمحتالين شعرنا بالاطمئنان. ونقول إلى مزيد من التشديد حتى تسير القافلة في مسارها الصحيح.
