على أيامنا ما كانت الصحافة تتعامل مع أحداث امتحانات نهاية العام الدراسي، فكان الواحد فينا لو مرت عليه ورقة أسئلة «ملخبطة فوق تحت» وأسئلتها تحتاج إلى جن وادي عبقر لكي يفك طلاسمها لا يجد بابا يطرقه للشكوى، ولا حتى لتفريغ مشاعر الاحتجاج والغضب، ولم يكن أمامنا سوى وجوه بعضنا البعض نحن الطلبة، ننطلق في الساحات الترابية الفضاء لنعبر عن احتجاجنا بالصراخ في الفراغ المطلق..
وكانت أفضل وسيلة قد تمتص غضبنا هي ان نصادف مدرس الفصل الذي في العادة ينقل بعيدا عنا، حتى لا تأخذه الرأفة بنا على اعتبار أننا أبناؤه أو إخوانه الأصغر..فإذا ما جادت به الصدفة نشتكي الحال له برؤوس مطأطأة فيحاول تشجيعنا ويعدنا بضرورة التعويض في الامتحانات الأخرى.
اليوم تبث الصحافة المحلية بثاً شبه حي لأحداث الامتحانات مضافا إليها التعليق والتحليل ووجهات نظر الطلبة، أي أن هناك مساحة مناسبة وحضارية للتعبير عن وجهة النظر، كما تطورت المسألة هذا العام ليدخل البث المباشر عبر أثير الإذاعة على الخط ليتحول هو الآخر الى منصة احتجاج. وعن نفسي يسحبني الفضول يوميا لقراءة آخر التعليقات الصحفية عن اختبارات المدارس، على الرغم من أنها تشعرك وكأنها تسير على وتيرة واحدة مكررة، فتقرأ مثلا :الرياضيات تبتسم لطالبات القسم العلمي في إمارة كذا.. وتكشر عن أنيابها لطلبة المناطق النائية مثلا..الطلبة يتنفسون الصعداء في الورقة الأولى لاختبار اللغة العربية وقصيدة المتنبي تؤخر استلام الإجابات خمس دقائق!! خرائط الجيولوجيا تؤخر طلبة رأس الخيمة وطلاب العين تجاوزوا مطباتها.
ماراثون سنوي، وطقس موسمي يأتي بالجديد في كل عام ويمحى من الذاكرة ليعاد تعبئتها بإحداث أخرى، لكن الكر والفر هو.. هو لم يتغير..هناك واضع أسئلة يحاول فرض عضلاته وهناك واضع أسئلة تأخذه الشفقة بالطلبة فحوّل الامتحان وكأنه نزهة..وهذا الأمر بالذات يذكرني بحادثة حدثت على أيامنا حينما جاء امتحان اللغة العربية صعبا جدا ورط جميع طلبة وطالبات الدولة لدرجة ان طلب الوزير يومها تشكيل لجنة للنظر في الأسئلة والعودة الى واضع الأسئلة..وحينما تبين ان الامتحان كان تعجيزيا، سهلت الوزارة من امتحان الرياضيات لكي ترضي الطلبة.
هذه الأيام ولأن الواحد منا، نحن طلبة السنين الخوالي لا نعلم كيف تتبارى وتتسابق لجان وضع الامتحانات مع الطلبة، لكن المتابعة اليومية للأخبار تكشف شيئا من هذا القبيل. وعموما ونحن في جو الامتحانات نهدي طلبتنا من الجنسين وردة نجاح وتفاؤل مقدما، فهم جنود الوطن وصناع مستقبله..نتمنى لهم النجاح وليشعروا بأن قلوبنا معهم. وان الجميع معهم سواء كانت الوزارة في سعيها لتطوير آليات التعليم والبحث عن الحديث منها، او الإعلام الذي يرصد أحوالهم يوميا ويتقصى أخبارهم..شيء من القديم نسيت أذكركم به..على أيامنا كان التلفزيون أيضا معنا عبر الدروس التي كانت تبث يوميا ومواكبة مع الامتحانات..اليوم تخلى التلفزيون عن هذه المهمة النبيلة لصالح مصالح أخرى!
