تحدثنا من قبل عن الإرث الذي تركه الرئيس بوتين لخلفه الرئيس ميدفيديف، وقلنا إنه ليس إرثا سهلا كما يعتقد الكثيرون، باعتبار أن بوتين أنجز الكثير من المهام الصعبة.
فهناك ما زالت مشاكل اقتصادية صعبة وربما معقدة يجب على الرئيس ميدفيديف أن يتصدى لحلها ولا يجوز تأجيلها كما حدث في عهد سلفه بوتين، ومن أهم هذه المشاكل وأصعبها اعتماد روسيا بشكل كبير على اقتصاد الخامات بسبب الطفرة الكبيرة في أسعار الطاقة من النفط والغاز، والتي تحولت روسيا معها إلى مصدر للخامات للدول الأخرى.
الأمر الذي ترتب عليه إهمال برامج التصنيع في مجال الصناعات التحويلية للطاقة، وهو أمر غاية في الخطورة في ظل أسواق الطاقة المتذبذبة والتي تتداخل فيها العوامل السياسية وحتى الإستراتيجيات العسكرية حيث الحروب الآن تدار من أجل مصادر الطاقة، الأمر الذي قد يعيد روسيا إلى حرب باردة من نوع جديد مع خصوم ما زالوا لا يثقون فيها ويخشون طموحاتها التوسعية.
كما أنه لا يجوز أن تكون روسيا عملاقا في الطاقة بمختلف فروعها من نفط وغاز وفحم وطاقة نووية وفي نفس الوقت لا تهتم بالصناعات التحويلية التي أصبحت من أهم معايير الدول الكبرى، وإذا كانت أسعار النفط في ارتفاع مستمر فإن مشتقات النفط أسعارها أيضا ترتفع وربما أكثر من النفط ذاته، ومن العيب أن عملاق إنتاج النفط يلجأ لاستيراد مشتقاته من مشترى الخام منه.
على روسيا أن تعتمد بأقصى درجة على نفسها اقتصاديا وتكنولوجيا، وهذا ليس فقط من أجل التنمية واستمرار التطور، ولكن أمنيا أيضا باعتبار أن روسيا دائما اعتادت أن يحاصرها خصومها السياسيون اقتصاديا في الأسواق ويحرموها مما هي في حاجة إليه.
مشكلة أخرى تواجهها روسيا ولم يحقق فيها الرئيس بوتين نجاحا يذكر، وهي المشكلة الديمغرافية التي يصفها البعض بالكارثة القومية، حيث التناقص الحاد والمستمر في تعداد السكان مع النقص في المواليد، الأمر الذي يهدد بنقص حاد في الأيدي العاملة، ومن الواضح أن البرنامج الذي طرحه الرئيس بوتين عام 2007 بمنح المولود الثاني في الأسرة مكافأة مادية أيا كان حجمها لم يؤد لنتائج ملموسة، المشكلة تحتاج لخطط تنمية وتحسين لمستوى معيشة الأسرة الروسية وتوفير السكن الملائم للأسر ذات العدد الكبير من الأبناء.
حيث إن المنازل والشقق الروسية صممت طيلة القرن الماضي للأسر المحدودة العدد ذات الطفل الواحد أو الإثنين على أقصى تقدير، ولا يمكن أن نطالب الأسر بزيادة إنجاب الأطفال في هذه الشقق الصغيرة مع الارتفاع الكبير في أسعار العقارات، وهذه مهمة صعبة ملقاة على عاتق الرئيس الجديد ميدفيديف، فإذا كان بوتين قد نجح في إعادة الثروات للدولة من النخبة الأوليجارخية وعصابات المافيا فإن على ميدفيديف تقع مسؤولية توزيع هذه الثروات على الشعب لتسير التنمية الاجتماعية بموازاة التنمية الاقتصادية.
و هناك مشاكل أخرى ستواجه الرئيس الجديد في الداخل ومن أهمها مشكلة التحديث والتكنولوجيا الحديثة التي تفتقر إليها قطاعات كبيرة في الصناعة الروسية، وأيضا مشكلة الفساد في الدوائر الحكومية والتي كافحها بوتين لكنه لم ينجح في حسمها بشكل مطلق، وخاصة وسط كبار موظفي الدولة الذين مازالوا يملكون نفوذا كبيرا في الاقتصاد الروسي منذ عهد الرئيس يلتسين، كما أن هناك المشكلة التي لم يحقق فيها بوتين نجاحا ملحوظا ويعتقد الكثيرون أنه اختار ميدفيديف خصيصا لحلها، وهي جذب الاستثمارات الأجنبية للاقتصاد الروسي.
إن غلبة الطابع الأمني والعسكري على نظام وشخصية الرئيس بوتين ومطاردته للنخبة المسيطرة على الاقتصاد ولغة بوتين الحادة مع الغرب وشراسته في حسم قضية الشيشان جعلت المستثمرين الأجانب يتخوفون من الخوض في السوق الروسية، بينما الواجهة الليبرالية والهادئة للرئيس ميدفيديف قد تساعد على طمأنة المستثمرين وجذبهم للاقتصاد الروسي، ولهذا فالآمال معقودة بشكل كبير على الفترة القادمة لجذب الاستثمارات الأجنبية، وخاصة في قطاعات الطاقة التي بحاجة ماسة لهذه الاستثمارات.
كاتب ومحلل سياسي روسي