في بداية التسعينيات أفاق المجتمع على تفاقم ظاهرة غلاء المهور وارتفاع تكاليف الزواج، واشتركت جميع المؤسسات في المجتمع رسمية وأهلية في تناول الظاهرة بالتشريح والتحليل، وشنت العديد من حملات التوعية من بينها المحاضرات.

كما تناولتها الأقلام ومختلف وسائل التعبير، بعدها تدخلت الحكومة بشكل فاعل ومؤثر، بل وصل إلى حد اهتمام القيادة العليا لوضع حد لهذه الظاهرة التي أرهقت الشباب المقبلين على الزواج وسببت آثاراً جانبية للذين هم وقعوا في شباكها، كما خلفت على أثرها ظواهر مثل العنوسة والطلاق والزواج من أجنبيات.

وقد كان للمجتمع والدولة وقفة صريحة في مقابل هذه الظاهرة، وبعدها ولدت مؤسسة صندوق الزواج لتقف معينا لأولئك الذين صار بينهم وبين تحقيق نصف دينهم بالزواج والاستقرار حاجز هو غلاء المهور وتكاليف الزواج. وعملت مؤسسة صندوق الزواج لسنوات طويلة وكذلك مشاريع حفلات الإعراس الجماعية على التخفيف من حدة الظاهرة.

اليوم تبرز القضية أو الظاهرة من جديد وتصدمنا الحقيقة، التي تقول إن الإمارات تعتبر من الدول الأعلى إنفاقاً على الأعراس في الشرق الأوسط، وأننا وصلنا إلى تحطيم رقم قياسي في ذلك، بلغ ما بين مليارين إلى ثلاثة مليارات دولار في العام الواحد!!

فالمحاضرة التي نظمها مشكوراً مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بالتعاون مع دائرة الشؤون الاجتماعية والعمل الخيري بدبي قبل يومين كشف فيها المشاركون عن أن ظاهرة غلاء المهور وتكاليف الزواج مازالت جاثمة على صدر المجتمع، ومازالت حمى التمظهر والمبالغات الزائدة في الصرف على أمور زائدة عن المطلوب والحد المعقول، وما يتبعها من سلوكيات غير منطقية حاضرة لدى الناس. وهذا يعني حقيقة مرة وهي أن كل الجهود التي بذلت في السنوات الماضية لزيادة وعي أفراد المجتمع حول الظاهرة باءت بالفشل، أو لم تنجح في تصحيح سلوكيات اجتماعية تنتج ظواهر معيقة ومؤثرة في المجتمع.

ونقول تدعيماً لما طالب به المشاركون في الندوة الاجتماعية التي تفضل برعايتها مركز جمعة الماجد أن الفرحة بتزويج الابن أو الابنة لا تعادلها فرحة، وحفلات الزواج هي إعلان وإشهار كما هو معروف، لكن إذا ما تحول هذا الإعلان أو الإشهار إلى سبب يبخر فرحة العروسين بعد يومين من الارتباط ويحيل حياتهما إلى حياة مقيدة بالديون ومهددة بالسجون وحياة غير قابلة للاستقرار، فإنها لا تكون فرحة بقدر ما هي كارثة.

اليوم وفي حقيقة الواقع تنحر عائلة العروس عائلة المعرس بالطلبات والشروط والعكس أيضاً صحيح، كل ذلك من أجل إرضاء الغرور وما يسمى بـ »المظهر الاجتماعي اللائق«، بل يتعدى الأمر ذلك أحياناً كثيرة، حينما يذهب الأهل إلى »فنتازيات« حفل الزفاف التي تحولت في آخر موضاتها إلى ليال تشبه ليالي افتتاحيات مهرجانات هوليوود.

مؤسسة صندوق الزواج كان لها في السنوات الماضية نشاط في التوعية وكانت قريبة من هموم الشباب المقبل على الزواج وكذلك الأهالي والأسر، وتجلى ذلك في سلسلة من البرامج التوعوية التي رعتها المؤسسة عبر مختلف الوسائل.. اليوم يبدو أنها تخلت عن هذا الجانب وأصبحت مجرد »فرع بنكي« يعطي منح الزواج فقط!!

mhalyan@albayan.ae