بأحداث لبنان الحالية يستطيع أي مراقب أو محلل أن يقول: إن إدارة الرئيس الأميركي الحالي جورج بوش هي افشل الإدارات الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، ذلك أن هذه الإدارة قد وضعت عملية إعادة تشكيل المنطقة كواحدة من أبرز أولوياتها, ووضعت لها مسميات خاصة مثل »الفوضى الخلاقة« و»الشرق الأوسط الكبير«، ودخلت حربا كبيرة من أجل تحقيق أهدافها في المنطقة, ومن أجل تهيئة المنطقة لقبول التغييرات الحاسمة التي كانت تخطط لها.
ولكن ومع ذلك فإننا وقبل شهور قليلة من نهاية ولاية الرئيس بوش يمكننا القول إن نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة تقلص الآن عنه مع بدء ولايته, بل وأصبحت المنطقة أكثر سخونة وتوترا عنها عام 2001، كل ذلك وجميعنا يعرف أنها أحد أبرز المناطق أهمية بالنسبة للاستراتيجيات الكونية الأميركية.
وواحدة من أبرز مصادر إمدادات النفط بالنسبة للصناعة الأميركية، وهو الأمر الذي دفع الولايات المتحدة الى التدخل المباشر فيها, ولكن هذا التدخل أحدث نتائج عكسية أدت الى زيادة نفوذ القوى التي تحسبها الولايات المتحدة من ضمن القوى المعادية لها.
ونستطيع أن نعدد مظاهر الفشل العديدة لهذه الإدارة في منطقة الشرق، بدءا من المشكلات الجديدة التي تعاني منها القوات الأميركية في العراق، وتوتر العلاقات بين الولايات المتحدة ودول صديقة أو حليفة لها في منطقة الشرق الأوسط, نذكر منها مصر على سبيل المثال وليس الحصر.
وانهيار ثقة منظمات المجتمع المدني في المنطقة بالولايات المتحدة، وتعاظم النفوذ الإيراني في المنطقة, وفشل كافة المبادرات التي أطلقتها الولايات المتحدة حول القضية الفلسطينية، وعدم استطاعة الرئيس الأميركي تنفيذ الوعود التي أطلقها بنفسه حول قيام الدولة الفلسطينية خلال ولايتيه الأولى والثانية، وأخيرا وليس آخرا خروج الولايات المتحدة تماما من المعادلة اللبنانية, بعدما كانت من قبل احد الفاعلين الأساسيين في هذه المعادلة .
بل إن العديد من القضايا المتعلقة بالمنطقة والتي تتطلب مشاورات من نوع ما لم تعد الولايات المتحدة تشارك فيها بنفس درجة الكثافة التي كانت تحدث من قبل، بل وأصبحت في أحيان كثيرة خارج مثل هذه العمليات التفاوضية، ويرجع ذلك إلى أن الأطراف المحلية لم تعد تضع ثقتها في الولايات المتحدة كما كان عليه الحال من قبل،و يرجع أيضا إلى أن الولايات المتحدة أصبحت عاملاً معوقاً للتوصل إلى حل بدلا من أن تكون عامل تهدئة وتسريع للحلول.
وأصبحت الأطراف المحلية تقوم بدور رئيسي في عمليات الوساطة حول الأزمات الإقليمية أو المحلية، ففي الفترة الماضية قامت تركيا بوساطة بين سوريا وإسرائيل, وتقوم حاليا اللجنة التي شكلتها الجامعة العربية بدور الوساطة بين الأطراف اللبنانية من اجل إنهاء الأزمة الداخلية في لبنان.
وبالطبع هناك تفسيرات متعددة لهذه الحالة الأميركية، منها ما يرجعها البعض إلى تحولات النظام الدولي الذي بدأ يفلت من الهيمنة الأميركية لصالح تأسيس نظام دولي »لا قطبي« كما يسميه ريتشارد هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأميركي أو »عالم ما بعد أميركا« كما يطلق عليه فريد زكريا رئيس تحرير الطبعة الدولية من النيوزويك.
ومنها ما يرجعه البعض إلى جهل القائمين على تخطيط السياسية الخارجية في الإدارة الأميركية الحالية بطبيعة منطقة الشرق الأوسط وخصوصيتها الثقافية والسياسية والدينية، ومنها ما يرجعها البعض إلى طبيعة الخطط وردود الفعل التي يستعد بها مناوئو الولايات المتحدة في المنطقة لمخططات الولايات المتحدة بها، خاصة وأنها تسعى الى إسقاط أنظمتهم السياسية أو على الأقل حصارها وعزلها.
وهناك تفسير آخر يرى أن الإدارة الحالية ونظرا للمشكلات التي واجهتها في المنطقة, لم تعد راغبة في المزيد من المشكلات فرأت أن تكتفي بحل مشكلاتها في العراق حتى إشعار آخر، وهي توظف كل تحركاتها في المنطقة من اجل هذا الهدف, وتتحسس في خطواتها فيها حتى لا يؤدى أي تدخل لها في أي أزمة إلى المزيد من المشكلات لها في العراق.
ويرى أنصار هذا التفسير أن الأزمة التي تفتعلها الولايات المتحدة مع إيران تهدف في المقام الأول الى تحقيق أهداف عراقية تريد أن تجبر إيران على الانكماش والحيلولة دون أن يمتد نفوذها في العراق أكثر مما هو عليه. وإذا كان المحللون العرب ارجعوا فشل السياسة الأميركية في المنطقة خلال الولاية الأولى للرئيس بوش الى وجود المحافظين الجدد الذين أرادوا أن يحدثوا تغييرات بنيوية في منظومة الشرق الأوسط.
ولم تكن المنطقة مستعدة لها وهم في نفس الوقت لم يقدموا جائزة لدول المنطقة من أجل استقبال هذه التغييرات مثل فرض حل نهائي عادل للصراع العربي الإسرائيلي على إسرائيل، فإن خروجهم من الإدارة مع الولاية الثانية للرئيس بوش منذ ما يقرب من أربع سنوات يؤكد أن ما تعاني منه الولايات المتحدة في المنطقة هو أزمة هيكلية استراتيجية وليست أزمة سياسات.
وهو ما دفع البعض الى التساؤل عما إذا كانت هذه الأزمة تتعلق فقط بسياسات الحزب الجمهوري أم أنها تتعلق بمجمل السياسة الأميركية، خاصة وان العلاقات بين الإدارة الديمقراطية السابقة والمنطقة كانت أكثر هدوءا ولم تشهد أية توترات مثل التي تشهدها اليوم, كذلك فإن علاقات الولايات المتحدة بالمنطقة لم تشهد أية أزمات من تلك التي تشهدها اليوم.
هل نحن في مرحلة انتقال للنظام الدولي يمكن أن نشهد بعدها صورة أخرى من العلاقات الأميركية العربية تتسم بالقطبية المتعددة، أم أننا في مرحلة انتقال داخلية أميركية ستؤدي بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية الى صورة أخرى من هذه العلاقات، الإجابة ستكون عقب الانتخابات الأميركية في نوفمبر المقبل.
كاتب مصري
