كان مؤتمراً ناجحاً، حول موضوع مهم، وفي مناسبة جليلة ولكنه كان لابد أن يثير الكثير من الجدل والخلاف في الرأي وحول عدد من القضايا، سأختار منها قضية واحدة أعتقد أنها جديرة باهتمام القارئ العربي. كان مؤتمر في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، عقد في الأسبوع الماضي، وكان الموضوع التطور الاقتصادي والسياسي في مصر في المئة عام الماضية، والمناسبة هي مرور مئة عام بالضبط على إنشاء جامعة القاهرة.
كان المطلوب مني أن أعقب على بحث عن تطور النظام الاقتصادي المصري خلال هذه المئة عام. وكان من السهل أن أبين أن هذا النظام قد تعرض للتغير الشامل (بل ما يمكن تسميته بالانقلاب) مرتين خلال ذلك القرن: مرة في منتصف الخمسينات ومرة في منتصف السبعينات.
كان النظام الاقتصادي السائد طوال النصف الأول من القرن العشرين محكوما برغبات سلطة الاحتلال البريطاني، ويستهدف أولا قبل كل شيء تحقيق المصالح البريطانية. كانت النتيجة نظاماً اقتصادياً منفتحا على العالم، تترك فيه الحرية للأفراد لاتخاذ قرارات الاستثمار، والإنتاج والتسعير.
وتترك الحرية للتجارة الخارجية، تصديراً واستيراداً، اذا كان هذا هو ما يضمن حصول بريطانيا على القطن المصري الرخيص، وفتح السوق المصري أمام الصادرات البريطانية، وتحويل رأس المال من مصر إلى بريطانيا تسديداً لديون كانت مصر قد عقدتها بأسعار فائدة باهظة في نصف القرن السابق.
حصل التغير المهم الأول في منتصف الخمسينات، وعلى الأخص ابتداء من 1956. ولم يكن هذا غريبا بالمرة. ففي ذلك الوقت بالضبط رحل آخر جندي بريطاني من أرض مصر، واستردت مصر إرادتها (من الانجليز على الأقل) ومن ثم استطاعت مصر أن تؤمم (بنجاح) قناة السويس.
وتلا ذلك مختلف إجراءات التمصير والتأميم وتدخل الدولة في مختلف جوانب الحياة الاقتصادية، مما سمي بالاشتراكية أحياناً، وبالاشتراكية العربية أحياناً أخرى، ولكنه على كل حال كان النقيض التام للنظام السائد في نصف القرن الأول والقائم على الحرية الاقتصادية وعدم تدخل الدولة إلا في أضيق الحدود.
ليس من الصعب أيضاً أن نرى العلاقة بين هذا التغير في النظام الاقتصادي المصري (والذي حدث كثير مثله في مختلف بلاد العالم الثالث) وبين بداية عصر الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي «الرأسمالي» والشرقي «الاشتراكي».
ففي ظل الحرب الباردة استردت دول كثيرة من دول العالم الثالث (ومن بينها مصر) قدراً كبيراً من حرية التصرف، إذ استفادت من توازن جديد بين القوى الدولية، سمح لها بأن تستعين بأحد الطرفين لكبح جماح الطرف الآخر.. كما أن هذا التوازن جعل كلا من الدولتين العظميين تقبل أن تتصرف دولة من دول العالم الثالث بحرية أكبر من المألوف طالما أنها لم تنضم إلى المعسكر الآخر.
في مثل هذا المناخ الدولي لم يكن من المستغرب أن تتبنى مصر (مثل كثير غيرها من دول العالم الثالث) خططاً طموحاً في التنمية، وأن تشرع الدولة في تنفيذها ولو تطلب الأمر تقييد الكثير من الحريات الاقتصادية والسياسية، ومن ثم نشأ هذا التغير الشامل الأول في النظام الاقتصادي المصري.
في منتصف السبعينات كانت حالة المناخ الدولي مختلفة تماماً. فقد حلّ ما سمي ب«الوفاق» بين المعسكرين محل الحرب الباردة (ولو إلى حين)، إذ رأت الدولتان العظميان مصلحتيهما في التقارب والتوافق، ووضع حد لاستغلال العالم الثالث لكل منهما في سبيل تحقيق مكاسب على حساب الاثنتين.
هكذا تمت تلك الزيارة الشهيرة من الرئيس الأميركي نيكسون للزعيم السوفييتي بريجينيف في موسكو في مايو 1972، واتفقا خلالها على كثير من المسائل من بينها مسائل تتعلق بالتعاون الاقتصادي، ولكن كان من بينها أيضاً إعادة توزيع مناطق النفوذ.
وكانت مصر من نصيب الولايات المتحدة بعد أن كانت، حتى ذلك الوقت، خاضعة للنفوذ السوفييتي. لا عجب أن وقف الرئيس السادات بعد هذا الاتفاق السوفييتي الأميركي بقليل ليعلن طرد الخبراء العسكريين السوفييت من مصر، وقدّم هذا القرار للناس وكأنه من بنات أفكاره.
بينما كانت الحقيقة أنه كان فقط يعلن للناس ما تم الاتفاق عليه بين الكبار، ولا شك في أن الاتحاد السوفييتي لم يجد بأساً من أن يدعي السادات لنفسه هذا الشرف، إذ لابد أن السوفييت فضلوا هذا التصوير للأمور على أن يبدو السوفييت أمام العالم كله في صورة دولة تتخلى عن مبادئها وتتفق مع الرأسماليين من أجل مصلحة خاصة بها وحدها.
قلت هذا في تعقيبي، ومن ثم أرجعت تحول مصر من سياسة تدخل الدولة الشديد في الاقتصاد إلى ما سمي بسياسة الانفتاح الاقتصادي التي أعلنت في 1974، إلى هذا الانتقال من النفوذ السوفييتي إلى النفوذ الأميركي، هذا الانتقال الذي اتخذ مظهراً رسمياً واضحاً للجميع بقيام الرئيس نيكسون بزيارة مصر في 1974، وما اقترن بها من تهليل وتكبير.
كان معنى تعقيبي أن كلا التحولين في النظام الاقتصادي العربي، من الاقتصاد الحر إلى التدخل الشديد من جانب الدولة، ثم من تدخل الدولة الشديد إلى الانفتاح الاقتصادي، تما في الأساس نتيجة للتغير في المناخ الدولي والعلاقات الدولية، وأن العلاقة بين كلا التحولين وبين شخصية الرئيس أو أفكاره الخاصة أو ميوله الأيديولوجية، علاقة واهية للغاية، بل قد تكون غير موجودة بتاتاً.
لم يعجب هذا الكلام واحداً من كبار الحاضرين، وهو الدكتور عبدالعزيز حجازي رئيس الوزراء المصري الأسبق، والذي تصادف أن كان رئيساً للوزارة وقت إعلان سياسة الانفتاح، فطلب الكلمة للاعتراض على زعمي بأن التحول إلى الانفتاح كان نتيجة تدخل أميركي.
وقال ما معناه إن هذا التحول تم بناء على قرار اتخذه هو وبعض الاقتصاديين (وذكر اسم الدكتور اسماعيل صبري عبدالله الماركسي المصري الشهير الذي كان أيضاً وزيراً في حكومة د. حجازي)، وان الانفتاح قد تم بإرادة مصرية حرة، وليس بناء على ضغوط خارجية.
هذه الصورة التي رسمها د. حجازي أكثر إرضاء بالطبع لمشاعر المصريين، أو لأي شعب يحب أن يصور على أنه مستقل الإرادة ولا يخضع في قراراته لأحد، ولكني أعتقد للأسف أن هذا التصوير غير صحيح، وأن الحقيقة هي كما أشرت حالاً: دولة صغيرة ضعيفة تلعب بها أهواء القوى العظمى. وقد رددت على ما قاله د. حجازي، ولكن هناك كلاما أكثر يمكن قوله في هذا الموضوع المهم: «كيف تتخذ في الواقع القرارات المصيرية في حياة الشعوب؟».
كاتب مصري