بينما كنت أقلب مجموعة من الدوريات العربية ومن بينها دورية فكرية اسمها (فكر) تصدر عن دار فكر للدراسات في باريس والقاهرة، حيث صدر العدد الأول منها عام 1983 تفاجأت بما تحمله هذه المجلة من فكر يساري ثوري يهدف إلى مناقشة الأوضاع العربية كقضايا التحرر الوطني وأزمة الفكر العربي وإعادة توزيع الثروات بكل جرأة وموضوعية.

وشعرت وأنا أقرأ افتتاحية المجلة وخاصة في عددها الأول بأنني أمام وهج مشتعل من الكلمات النارية ذات الوقع الحماسي والنضالي، فأخذتني الكلمات بسحرها اليساري الأخاذ إلى عوالم الروايات الأدبية التي كتبها مفكرون وأدباء يساريون، كان لها الفضل في تلقينا الدرس الأول في أدبيات اليسار ومبادئه الإنسانية وقيمه الاجتماعية ورموزه الأبطال ونضالها ضد الظلم والقهر والاستبداد.

كما توالت على ذاكرتي مشاهد من مسيرة النضال العربي سواء ضد الإمبريالية الغربية أو ضد الاستعمار الصهيوني أو ضد رموز الاستبداد والرجعية والتخلف، على الرغم من إننا لم نعاصر تلك الأحداث إلا إننا قرأنا عنها كثيراً، فكأنني وأنا أقرأ افتتاحية هذه المجلة.

أشاهد الرفاق في صفوف المناضلين والثوار يعيشون آلام التهجير والنزوح سواء أكانوا في فلسطين ولبنان، أو يرفعون يافطات كتب عليها بالخط العريض «نعم للحرية للعدالة لا للقهر والظلم»، مشاعر كثيرة وكبيرة انتابتني وأنا أقلب في صفحات هذه المجلة، مشاعر بحجم ما كان ينادي به اليسار بكافة أطيافه الأيديولوجية في فترة من فترات تاريخنا العربي في إقرار الحق ومناهضة الاستعمار والتخلف والرجعية.

والحديث عن اليسار في هذه الفترة بالذات هو أكثر الأحاديث المشروعة على الساحة العربية لا سيما ونحن نعيش اليوم ذكرى النكبة الحزينة التي أضاعت فلسطين، فحركة القوميين العرب التي أسسها جورج حبش حيث كانت هذه الحركة ابنة النكبة والبذرة الأولى لولادة الأحزاب اليسارية التي رافقت مسيرة النضال الفلسطيني في جميع أطواره التاريخية، ولا أحد يشكك أبداً فيما قدمه اليسار الفلسطيني من تاريخ نضالي مشرف.

ولكن أين هو اليسار الفلسطيني اليوم من مسرحية الإهانة التي أقامها الكنيست قبل عدة أيام بمباركة من السيد بوش ليعلنوا في فصلها الأخير الهزلي عن أفراحهم بإقامة دولتهم المغتصِبة وضياع فلسطين، يحتفل اليهود بإقامة دولتهم بينما الرفاق والإسلاميون ينقسمون ويتقاتلون على من له الأولوية في إدارة وحكم قطاع غزة!

أسئلة مشروعة وضرورة تفرضها حتمية التغيير التاريخي والاجتماعي، لماذا تخلف اليسار عن مبادئه التقدمية والوحدوية اليوم؟ لماذا تخلى عن مبادئه في مواجهة الظلم والفساد؟ لماذا ترك المواجهة لغيره من التيارات وبالذات التيارات الإسلامية التي نجحت في تعبئة الجماهير العربية؟.

لا أحد ينكر تماماً أن اليسار العربي قد نجح في تحقيق الأهداف التحررية منذ نصف قرن وحقق بعض التطور، لكنه لم يستطع الاستمرار في ذلك، وعلى العكس تماماً فقد تحولت بعض قوى اليسار إلى قوى معيقة، وبعضها ساهم في تدمير طاقات مجتمعية مهمة، وتفكك بعضها الآخر وتهمش، وبات من دون فاعلية أو مقدرة على لعب أي دور.

لا شك أن هناك الكثير من العوامل الداخلية والخارجية التي ساهمت في تشتت وضعف قوى اليسار العربي، لعل من أهمها ارتباط اليسار العربي بتاريخه ورموزه لدرجة تصل إلى القداسة التاريخية، فاليسار مصاب بعقدة اسمها مبادئ ماركس وانجلز ولينين والزعماء الخالدين، والبطولات الخالدة التي حققوا فيها انتصارات عظيمة.

لازال اليسار يعيش ويتغذى على هذه الذكريات، ولم يستطيعوا للأسف أن يقوموا بربط حركاتهم السياسية والاجتماعية ببرامج ومؤسسات حديثة تواكب تطورات القرن الحادي والعشرين. كما لا يزال اليسار العربي يؤمن بخيار المقاومة المسلحة في مواجهة الإمبريالية الأميركية التي تقف على بعد أمتار فقط من السقوط في الهاوية إذا ما أشهر سلاح المقاومة في وجهها.

وقد تناسى هذا اليسار للأسف أن النظام العالمي الجديد الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية متقدم على النظام السابق الذي كان قائماً على توازن الرعب والصراع المسلح بين الجبهتين في كل ساحة، وإنهم بهذا التفكير يخدمون أميركا كما يخدمها بن لادن وشركاؤه ويعطونها المبرر لشن الحروب علينا باسم الإرهاب، في حين أن هناك جزءاً من اليسار العربي قد اندمج وتحالف مع الولايات المتحدة الأميركية وخاصة في العراق على اعتبار إنه من خلالها سيستطيع أن يشق طريقه مرة أخرى!.

أنا لا أكتب لكي أقلل من قيمة اليسار العربي، فيكفي انه كان صاحب الفضل في نشر الفكر الإصلاحي والتحرري والتنويري والإنساني، ويكفي أن اليسار هو من يشعل شموع النور عندما تحل الظلمة والجهل، يكفي انه من قاد ثورات التحرر من الاستعمار في فترة من الفترات، يكفي انه من يقف وبكل شجاعة في مواجهة قوى التخلف والرجعية لا يأبه ولا ينافق.

يكفي انه يعيش معاناة الناس يجوع لجوعهم ويتألم لمعاناتهم، ويحزنني كثيراً عندما يتطاول أحد على فترات حكم القوميين والاشتراكيين في الوطن العربي. ولكن هي دعوة صادقة لجميع القوى اليسارية بكافة أطيافها أن تعدل من مبادئها وفلسفتها لكي تتناسب مع معطيات العصر، أن تركز على التغيير الاجتماعي والثقافي، أن تسعى لإيجاد أرضية مشتركة خاصة مع التيارات الإسلامية.

تبقى هناك ملاحظة جديرة بالذكر وتثير الكثير من الأسئلة والاستفهامات، والمتمثلة في اهتمام الشباب في الدولة بصور جيفارا فدائماً ما يلصقون صوره في خلفيات سياراتهم أو يرتدون قبعات تعلوها صوره، وأتساءل بيني وبين نفسي ما الذي يدفع الشباب إلى ذلك، هل بالفعل إعجابهم بسيرة هذا المناضل اليساري الثوري.

أم أن ذلك من دواعي الموضة والترف، وهذه الملاحظة تنسحب على الفكر اليساري، هل سينجح في تجديد نفسه وفرض برامجه التي تتناسب مع طبيعة تفكير العصر الراهن، أم سيظل أصحابه يتغنون فقط بتاريخه وبطولاته وسيصبح الحديث حوله من دواعي الترف الفكري فقط، تماماً كالشباب الذين يعلون من صور جيفارا، لذلك الواحد لا يستغرب أبداً عندما يرى بعثيي العراق ما زالوا يرفعون صور صدام.

باحثة إماراتية

f_mansouri78@hotmail.com