نظرة على واقع البلاد العربية، ما يعاني منها أشد الأزمات، وما ينتظر تضعنا أمام مشهد محزن، ينطوي على قلق شديد يلف مصير المنطقة بأكملها، والأمة العربية بشكل خاص. فبعد أن استفحلت القطرية، وتدهورت تباعاً مقومات الحد الأدنى للمشروع القومي العربي بمختلف أبعاده، بات من السهل تفكيك عناصر استقرار القطرية، وتهديد النسيج الاجتماعي والثقافي وحتى الجغرافي لكل بلد على حدة، وبما يمكن أن يعيد صياغة المنطقة على نحو ما فعلته اتفاقية سايكس بيكو.
تباعاً تنفجر الأزمات بين المكونات الأساسية السياسية لمعظم المجتمعات العربية، بعد أن فشلت برامج الأنظمة الحاكمة في إجراء التحويلات الاقتصادية والاجتماعية والديمقراطية اللازمة لاستيعاب مؤثرات العولمة، وفي تحقيق التنمية على أساس المشاركة، وبدلاً من ذلك اتسع نطاق الفساد، وتبديد الثروات الوطنية، وتعزيز أدوات ووسائل القمع، وتعميق فقر الفقراء وظهور المزيد من أمراض التخلف وبدلاً من تعزيز العلاقات والروابط القومية لحماية ظهر القطرية، تشكل سياسة المحاور والاستقطابات السياسية داخلياً وخارجياً، المظهر الأساسي لنظام العلاقات العربية، الذي يتسم بالتناحر، والانقسام بين من يوصف بالاعتدال ومن يوصف بالتطرف، وفي حقيقة الأمر فإن العرب ينقسمون لصالح الانحياز حد الارتهان لقوى دولية وإقليمية كلها طامعة في السيطرة على مقدرات المنطقة.
في السابع من هذا الشهر، انفجرت على نحو مفاجئ للبعض، ومعلوم للكثيرين الأزمة اللبنانية التي استعصى حلها على جامعة الدول العربية، بعد أن استعصى حلها داخلياً بسبب امتداداتها الإقليمية والدولية.
كان من المنتظر أن تنفجر أزمة اللبنانيين، بعد أن استطالت أشهراً تمترست خلالها الأطراف المتصارعة خلف أهداف لم تكن كلها لبنانية الأصل، وكانت آخر حلقاتها قد بدأت مع تناقض وتضارب مواقف اللبنانيين من الحرب الفاشلة التي شنتها إسرائيل بدعم أميركي مكشوف في يوليو العام قبل الماضي.
فلقد أدى الفشل في تحقيق أهداف الحرب إلى إصرار القوى الدولية والإقليمية التي وقفت خلف إسرائيل، أو انتظرت انتصارها إلى متابعة تحقيق تلك الأهداف بوسائل أخرى، وعبر استنزاف حزب الله، وانتصاره داخلياً، هكذا هو الحال في أغلب الأحيان، فحين لم تنجح إسرائيل في كسر إرادة الفلسطينيين، سعت إلى تدمير القلعة من داخلها، فكان خروج القوات الإسرائيلية والمستوطنين من غزة في الربع الأخير من عام 2005، في إطار ما عرف بخطة الفصل أحادي الجانب، كان ذلك الخروج المقدمة التي مهدت لتفعيل عوامل الصراع والانقسام الداخلي الفلسطيني، الذي يتحكم اليوم بمصير الفلسطينيين.
منذ لحظة الخروج الإسرائيلي من غزة، أعلن شارون أنه سيقف جانباً يتفرج على صراع الفلسطينيين مع بعضهم البعض، فيما بشر الكثير من الكتاب الإسرائيليين حتى قبل الانتخابات التشريعية الفلسطينية، بأن الأوضاع في المناطق المحتلة تتجه نحو قيام حكومة حماسستان في غزة، وحكومة فتحستان في الضفة الغربية.ومثلما أصبحت إسرائيل تتحكم في مصير الفلسطينيين وتعمل دون كلل على تعميق انقسامهم وصراعهم، الذي يشكل أيضاً أساساً لانقسام العرب بين من يناصر هذا ويناصر ذاك، فإن مصير اللبنانيين يتجه نحو تسليم مصير بلدهم إلى أيدٍ خارجية فيما ينقسم العرب أيضاً بين من يدعم هذا ويدعم ذاك.
انفجار الوضع في لبنان، جاء وفق توقيت مدروس، قررته الحكومة التي تعكس موقف تكتل الرابع عشر من آذار، أو ما يسمى بفريق الموالاة، عندما اتخذت قراراً بملاحقة شبكة اتصالات حزب الله، الذي اعتبر القرار إطلاق نار مباشر على المقاومة وسلاحها، كان معلوما لدى من اتخذ القرار، أنه ليس بصدد الدخول في معركة لا قدرة له على خوضها مع حزب الله الذي يملك إمكانيات عسكرية ولوجستية، تمكنه لو أراد من اجتياح كامل الأراضي اللبنانية خلال أيام قليلة، ولهذا كان من الطبيعي أن تبادر قوى المولاة، لتسليم أسلحتها ومقراتها للجيش اللبناني في بيروت والمناطق التي قرر حزب الله الحسم فيها.
هذا يعني أن قوى الموالاة، قد وضعت لنفسها أهدافاً عندما اختارت توقيت وشكل تفجير الأزمة مع المعارضة، ذلك أنها تتوقع ردود فعل غاضبة من طبيعة عسكرية، لا يملك حزب الله من خيارات سواها، لحماية مقاومته وسلاحه، وأعتقد أن الموالاة كانت ستتخذ المزيد من القرارات والخطوات التصعيدية لجر حزب الله لاستخدام سلاحه، فيما لو كان الحزب قرر أن يكظم غيظه، ويمتنع عن الرد على قرارات الحكومة.
لو أننا حاولنا التدقيق في تداعيات الأحداث وردود الفعل الداخلية، فإننا سنلاحظ بوضوح أن أحد أهم الأهداف التي توختها، هو نزع شرعية سلاح المقاومة، والنيل من قدسيتها، فضلاً عن تدويل الأزمة.
ففي مؤتمر صحافي إثر اجتماع فريق الموالاة في مقره، أعلن سمير جعجع بشكل واضح عن سقوط شرعية سلاح المقاومة، بعد أن جرى استخدامه في الصراع الداخلي على غير ما تعهد به طيلة الوقت قادة حزب الله، كما أشار بوضوح إلى أن هدف حزب الله، عودة سوريا إلى لبنان، وتمكين إيران من الوصول إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط.
وفي الثالث عشر من الجاري، خرج رئيس تيار المستقبل الشيخ سعد الحريري في مؤتمر صحافي ليعلق أيضاً أن حزب الله ما كان له أن ينقل قواته من الجنوب إلى بيروت، بدون غطاء إسرائيلي، فضلاً عن اتهامه لسوريا وإيران بالقتال في بيروت من خلال عناصر المخابرات، وقوات الحرس الثوري الذين انتشروا فيها مقنعين.
على الصعيد العربي كان الموقف المصري الأسرع والأوضح لجهة الحديث عن دور إيراني مباشر في لبنان، حيث أعلنت مصر أنها لن تسمح بأن يقع لبنان تحت السيطرة الإيرانية، فيما تصاعدت تدريجياً ردود الفعل العربية والدولية في انتظار ما تسفر عنه التفاعلات داخل لبنان، وبالرغم من انتشار الجيش في مناطق الاشتباك وتراجع الحكومة عن قراريها، إلا أن هذا لا يشكل نهاية خط الأزمة.
إذن لبنان يعيش الجولة الأولى من مسلسل أزمة وتطورات لاحقة، لإفشال حسابات حزب الله في استثمار نتائج ما جرى على الأراضي سياسياً، فيما تحاول الموالاة حشد عوامل عربية ودولية، لتدفيع حزب الله ثمن ما فعل سياسياً وعلى مستوى سلاحه وعلاقاته الداخلية والإقليمية.
وفي كل الأحوال فإن انفجار الأزمة اللبنانية على هذا النحو، وما ينتظرها، قد يكون أحد المؤشرات المهمة إلى التوقعات التي تصدر عن أكثر من طرف، بشأن سخونة الصيف المقبل، تلك السخونة التي من المرجح أن تجتاح مناطق أخرى، ففي السودان تطورت الأزمة على نحو خطير، حيث تواصل حركة العدل والمساواة محاولاتها لتهديد استقرار النظام، وعاصمته الخرطوم وأم درمان، وفي اليمن تستمر المعارك الطاحنة بين النظام والحوثيين، هذا عدا ما يعانيه الصومال، والعراق، وفلسطين، بالإضافة إلى التخوفات الظاهرة التي تبديها الكثير من الأنظمة على استقرارها الداخلي نتيجة نشاط خلايا (الإرهاب)، أو تصاعد نشاط الحركات الإسلامية المعارضة.
في فلسطين تتصاعد التخوفات من تداعيات الانفجار اللبناني، حيث من المتوقع أن يتعرض قطاع غزة لعدوان إسرائيلي واسع، يمكن من خلاله تحقيق جملة من الأهداف يضاف إلى ما هو معروف من دوافعها، حاجة المتهم بالفساد إيهود أولمرت للتغطية على ورطته، وحاجة الكثيرين للرد على ما فعله حزب الله من خلال استهداف حماس كأحد أهم حلفائه.
من الواضح أن العرب بأيديهم يصنعون عذاباتهم ويعرضون مصيرهم للتبديد.
كاتب فلسطيني