يبدو أن قائمة البلدان الـ35 الأكثر تعرّضا لشحّ السلع الغذائية التي أعدّتها منظّمة الأمم المتحدة للتغذية والزراعة تضاف لها بلدان جديدة. والمظاهرات، العنيفة غالبا، المرافقة بدأت تهدد استقرار العديد من الأنظمة السياسية التي توجّه شعوبها لها أصابع الاتهام.

هكذا بعد سنوات من الاستقرار أخذت أسعار الحبوب بالارتفاع بشكل محسوس اعتبارا من عام 2005 ثم قفزت منذ سنة بنسبة 30 بالمئة بالنسبة للذرة و74 بالمئة بالنسبة للأرز و87 بالمئة بالنسبة للصويا (الصوجة) و130 بالمئة بالنسبة للقمح.

ويقدّر الصندوق الدولي للتنمية الزراعية التابع للأمم المتحدة أن كل زيادة بنسبة 1 بالمئة في أسعار المواد الغذائية الأساسية تعني أن 16 مليون شخص إضافي في العالم يعانون من غياب الأمن الغذائي. هذا المؤشر يدل على أن 1.2 مليار نسمة من البشر قد يواجهون الجوع من الآن وحتى عام 2025، أي ضعف ما دلّت عليه التقديرات الأميركية.

أمام عمق الأزمة، لا يمكن للمرء إلاّ أن يندهش من التصريحات المهدئة التي أطلقتها منظمات اقتصادية دولية كبرى مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي اللذين اعتبرا أن الارتفاع الحاد في أسعار المواد الغذائية يعود بدرجة كبيرة إلى عوامل مؤقتة وحتى لو قبلا أن الأسعار سوف تبقى مرتفعة باستمرار. هذا ويبدو في الواقع أن تدهور الوضع الحالي هو في حقيقة الأمر تعبير عن أشكال خلل بنيوية مرتبطة بنمط التنمية الاقتصادية القائمة على اللبرالية.

السبب الأول يكمن في السياسات المسماة بسياسات التصحيح البنيوي المفروضة من قبل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي منذ 20 سنة والتي أرغمت البلدان النامية على التخلّي عن زراعاتها الغذائية تدريجيا لصالح الزراعات المكرّسة للتصدير. هذا التعديل جعل الدول تابعة تماما للمنظومة العالمية للأسعار والتبدلات الناتجة عن المضاربة، هذا إلى جانب تدمير الإنتاج التقليدي والمعارف التي كدّسها الفلاحون.

كانت النتائج المترتبة على تلك السياسات هزيلة بالنسبة للبلدان التي انصاعت مرغمة لمثل تلك التوجهات، ذلك أن المنتجين الزراعيين الكبار في الشمال استمرّوا في تلقي الدعم الكبير من حكوماتهم مما شجّع صادراتهم. بذلك بقيت أغلبية بلدان الجنوب ذات إمكانيات متواضعة للمنافسة في الأسواق الدولية بل انها اضطرت أحيانا للجوء إلى الاستيراد.

السبب الثاني يكمن في النتائج المترتبة على البيئة من جرّاء هذا النمط في الإنتاج الزراعي القائم على المردودية المباشرة. هذه النتائج معروفة وتتمثل في تآكل التربة وتلوثها وإنهاكها، خاصة وأن آثار التبدّل المناخي أخذت بالظهور من خلال طوفانات وأشكال جفاف تساعد بدورها في تراجع زيادة إنتاج الحبوب.

السبب الثالث يكمن في ارتفاع أسعار المواد البترولية. وليس هناك زيادة في الكلفة المترتبة على النقل فحسب ولكن أيضا في المساحات المكرّسة للزراعات المستخدمة في إنتاج الطاقة على حساب المزروعات الغذائية البشرية أو الحيوانية.

وهناك اليوم ما لا يقل عن 100 طن من المنتوج الزراعي يتم استخدامها كل سنة من أجل تصنيع الإيثانول أو الديزل النباتي وقد يتم تكريس حوالي 50 بالمئة من مساحات زراعة الحبوب في العالم لهذه الغاية من الآن فصاعدا. إن المنطق الليبرالي في تصويب المنافسة في الأسواق يؤدي إلى معادلة تقول انه من الأكثر مردودية للربح توجيه الإنتاج الزراعي نحو إنتاج البنزين بالنسبة للدول الغنية ما هو توجيهه نحو تأمين التغذية لملايين البشر.

السبب الرابع يتعلّق بالتقليل من قيمة اتساع وسرعة التبدلات التي تعرفها العادات الغذائية. هناك انفجار حقيقي في الطلب لدى البلدان الصاعدة، كالصين والهند، التي تقترب من النمط الغربي للتغذية مع زيادة كبيرة في استهلاك اللحوم ومشتقّات الحليب. هذا وتبعا لنموذج تربية المواشي ينبغي ما بين 3 و7 كيلو غرامات من الحبوب لإنتاج كيلو واحد من اللحوم. هذا الطلب الإضافي يزيد هو الآخر من الحاجة إلى الحبوب المكرّسة لتغذية المواشي.

إن لعبة زيادة العرض والطلب أدّت إذن إلى تقليص كبير في المخزونات الغذائية التي وصلت إلى أدنى مستوى لها منذ 25 سنة فيما يخص الحبوب تحديدا.

أدى هذا بدوره إلى زيادة في الأسعار التي فلتت أكثر فأكثر من إمكانية السيطرة عليها. من جهة أخرى وبدافع القلق من تذبذبات الدولار والأزمة المصرفية تحوّلت أموال المضاربة نحو المناورات المالية المتعلقة بالمواد الأولية الزراعية.

هكذا ثارت دورة جهنّمية، ذلك أن المنتجين الكبار في الجنوب، خاصة في آسيا، وبغية حماية شعوبهم، اتخذوا إجراءات تقليص كبير لصادراتهم، ما زاد بدوره من ارتفاع الأسعار في الأسواق العالمية وزاد من هشاشة الوضع في البلدان المستوردة.

وبرزت ظاهرة جديدة بيّنت ضخامة الصعوبات، إذ لم تعد الهشاشة مقتصرة على سكان المناطق الريفية ولكنها طالت أيضا الأكثر بؤسا في الوسط المديني. ففي باكستان مثلا يواجه أكثر من ثلث الـ56 مليوناً من سكان المدن غياب الأمن الغذائي.

التحديات، كما نرى، كبيرة ولا يمكن الاكتفاء بإجراءات سطحية. المطلب الأول يكمن في إنشاء صندوق للمساعدة الدولية من أجل تجنّب المجاعات وهز استقرار الدول القابلة لنشوب اضطرابات سياسية وحروب أهلية وتهجير السكان. وفيما هو أبعد من إصلاحات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ومن احتمال فرض ضريبة من أجل إنهاء المضاربة المالية الدولية، هناك أمر ملحّ يتعلق بإصلاح النظام الزراعي العالمي.

ينبغي أولا استئناف المساعدة العامّة للتنمية التي تتدنّى باستمرار وتكريس حصّة أكبر للتنمية الزراعية. والانتهاء من سراب المزروعات المكرّسة لإنتاج الطاقة وذات النتائج المخرّبة للاقتصاد الزراعي في بلدان الجنوب. وأخيار استئناف الأبحاث من أجل زيادة الإنتاجية الزراعية عبر إعطاء الأولوية للتقنيات الزراعية التي تحافظ على منظومات البيئة وتشجيع حيازة صغار المزارعين لتلك التقنيات. بهذا كله يتعلّق مستقبل جزء كبير من البشرية.

المدير المساعد لمركز العلاقات الدولية والاستراتيجية ـ باريس

professorrabie@yahoo.com