عرفنا فلسطين وجعاً يسكن القلب، وحينما بدأنا نكبر في مشاعرنا وتنمو براعم الانتماء تلقفنا أساتذة المدرسة فغرسوا فينا قيماً لذيذة عن لذة الموت فداء للأوطان، في تلك المرحلة كانت تتسرب إلى بيتنا البسيط صور الأهل في فلسطين بارود وموت، في السنوات التي تلت ذلك صار الكتاب نافذة على الأسرار، برتوكولات صهيون، هرتزل، وعد بلفور، بن غوريون والمواخير العالمية التي رتبت فيها المسألة.

الخلايا النائمة والسلاح المدفون في الأحراش المعد لسرقة وطن بعد رحيل الاحتلال البريطاني، نحن العرب في ذلك الوقت كنا دولة كبرى تتفكك وتمرض وتغرق في الجهل والدسائس، اللعبة الكبرى تكتمل خيوطها، ومزارع في حقل فلسطين يداس تحت الإقدام وتسرق منه زيتونة حياته، كان منظر الأطفال والمهجرين المشردين من النساء والرجال على شاشة الأبيض والأسود تزرع القهر، كبر الجرح والوجع.. في سنوات المراهقة التي لم نستلذ بعصفها كانت فلسطين كسكين تحز الضلوع،..

وكانت سطور الكتب تخبر عن انجازات قدامى المقاومين وشيوخها، عبدالقادر الحسيني وعز الدين القسام ورجال معهم رووا بالدم ذلك التراب المسروق.

صادقنا الجرح وسكن فينا وصار العدو جرثومة في الدم نبتت على قامتنا طفوح القهر. وكنا شبابا يافعين يثور الدم في عروقنا وأساتذتنا يغذوننا بجمل في منطق الخلاص والحرية، يسقط الاستعمار، تحرير الأرض السليبة عنوان الرجولة الأبدي.. أنشدنا في طوابير الصباح المدرسية للقدس للشهداء للتراب والزيتون، أحببنا تلاميذ المدرسة الفلسطينيين الذين عاشوا معنا في شتاتهم الذي سيصبح أبدياً بعد ذلك من كثرة انتكاسنا وهزائمنا..نضال صديقي حدثني كثيرا عن اليوم الموعود، يوم العودة، علمني كيف يمكن رسم وجه جيفارا على غلاف كتاب الجغرافيا، سألته يومها: لماذا جيفارا؟

جيفارا ليس عربياً، فقال هو إنسان مناضل، عرفت منه أن جده مات وهو يحارب وان عمه مات بالسكتة القلبية حزناً على بيته الذي نهب منه في منتصف الليل تحت تهديد السلاح، قال نضال حكايا كثيرة فيها رعب وقهر..اليوم لا أعرف إن كان نضال الفتى الفلسطيني الذي جاورني في الصف الأول الإعدادي حياً أم ميتاً أم أنه تاه في ضجيج الحياة والقهر..

تبخرت فجأة كل قطرات دم القومية في العروق حينما كبرنا قليلا وشهدنا نضج الخلاف العربي العربي، ثم تصحرت مشاعرنا حينما شهدنا انشقاق الإخوة المناضلين، ثم كشفت لنا أسرار الكتب مرة أخرى أن القضية صارت متاجرة، هناك من أبقى على شرفها وهناك من باعها بالعملة الصعبة. ثم شاهدنا بأم أعيننا نقطة التحول في الموازين.. انفض السامر ورحل جميع أساتذة القومية وانزوينا كل في حال سبيله..فلسطين التراب تغذت بالجثث ودماء الشهداء صار في ماء رمانها وبرتقالها..كم منا اليوم يشعر بوجع النكبة في فلسطين وجعاً حقيقياً؟ بعد هذا كله بعد 60 عاماً من الهزيمة، من عدم تحقيق انتصار؟

صار الخبر اليومي من فلسطين كإعلان الصابون وصار العدو صديقاً في الإنسانية!

mhalyan@albayan.ae