نقطة البدء لهذا الطور كما أسلفنا في المقالة السابقة هو نهاية الحرب الباردة في مطلع تسعينيات القرن المنصرم، الساحة السياسية في منطقة الشرق الأوسط قد خلت من نفوذ القوة العظمى التي شاركت الغرب في نفوذها على هذه المنطقة قرابة أربعة عقود من الزمن، فهذه القوة في انهيار تام تلعق جراحها.

أما الدول الأخرى التي قد تنافس الولايات المتحدة للحصول على بعض المواقع والمكاسب في هذه المنطقة فحظوظها في ذلك قليلة جداً. فعلى مستوى العالم الغربي لم يعد لبريطانيا أو فرنسا، وهما الدولتان اللتان رسمتا ملامح الشرق الأوسط الحالية، موقعاً عالمياً يؤهلهما لذلك، أما على مستوى العالم الشرقي فلم تصل الصين أو الهند حتى الآن إلى موقع التأثير السياسي الذي يؤخذ بنظر الاعتبار.

ثمة عامل هام آخر شجع الولايات المتحدة على البدء بالدخول إلى المنطقة هو أن أهلها في فرقة رغم ما يجمعهم من تأريخ ومعتقدات ولغة، الخلافات التي تفرقهم أقوى من الوشائج التي تربطهم، جروح الماضي لا تزال مفتوحة شاهدة حتى يومنا الحاضر على بعدهم عن روح التسامح والإخاء.

الولايات المتحدة ترى بأن هيمنتها على منطقة الشرق الأوسط ضرورة يتطلبها أمنها القومي على الأمد البعيد ليس من حيث توافر مصادر الطاقة في هذه المنطقة، وهي الدولة الأولى في العالم في استهلاكها لمصادر الطاقة، فحسب بل لأن الأمر يتعلق بحسابات مستقبلية من نوع آخر وهو تخطيطها للبقاء كقوة عظمى وحيدة في العالم.

فالسيطرة على أهم احتياطيات النفط في العالم وعلى موانيء شحنه وعلى الممرات المائية التي تمخر عبرها الشاحنات النفطية العملاقة يؤهلها لامتلاك الوسائل لعرقلة صعود قوة عظمى أخرى في العالم، خاصة الصين المستورد الثاني للنفط بعد الولايات المتحدة.

لم يكن أمام الولايات المتحدة عوائق دولية تذكر لفرض هيمنتها على منطقة الشرق الأوسط، بل كان أمامها مهمات من نوع آخر وهي التعامل مع عوائق إقليمية تتمثل في وجود دول إقليمية معادية لوجودها، وثقافة عدم ترحيب، إن لم نقل كراهية، سادت لدى معظم شعوب المنطقة على مدى يزيد على أربعة عقود من السنين نتيجة السياسات التي انتهجتها الولايات المتحدة في تجاهل حقوق هذه الشعوب.

وكان العراق وإيران أبرز قوتين تنظر إليهما الولايات المتحدة نظرة عدم ارتياح فوضعتهما في محور الشر الثلاثية الأركان مع كوريا الشمالية.

إذ رغم إن الحرب الضروس بين هاتين الدولتين لمدة ثمانية أعوام قد أنهكت قواهما إلا أنها لم توهن عزائمهما وطموحهما في لعب دور قيادي في المنطقة.

كان أمام الولايات المتحدة مواجهة التهديد الذي يتعارض مع نفوذها في المنطقة من هاتين الدولتين بإحدى طريقتين: الأولى التدمير والثانية الاحتواء.

الدخول الأميركي للمنطقة يتطلب تدمير القوى الإقليمية البارزة فيها أو احتواءها أي بمعنى تحجيم أخطارها ووضعها في حالة الدفاع عن النفس، فهذه القوى هي أول من يعترض ويقاوم الوجود الأميركي. العراق كان المرشح الأول لذلك بسبب كونه الدولة الأقوى في المنطقة من جهة وبسبب طموح وأهداف النظام العراقي السابق الكبيرة في توسيع نفوذه إقليمياً.

إذ ما إن وضعت الحرب العراقية الإيرانية أوزارها مخلفة وراءها دماراً كبيراً في أهم بلدين شرق أوسطيين: العراق وإيران ومخلفة وراءها كذلك مسارات خطيرة ممكنة التحقيق حيث إن الأحداث التي صاحبت الحرب العراقية الإيرانية قد أتاحت المجال لغلو كبير في طموحات النظام العراقي السابق خاصة بعد أن وجد نفسه أسير ديون ثقيلة غير قادر على سدادها ويواجه وضعاً داخلياً من الصعب معالجته بالشعارات الرنانة التي اعتاد على تخدير الجمهور برنينها، ويواجه اقتصادا مدمراً و تحت إمرته جيش جرار وماكينة حربية بدت بالنسبة إليه وبالنسبة للحكومات في المنطقة هائلة القوة، على الرغم من أنها لم تختبر أمام قوة أخرى حديثة التجهيز وعصرية التفكير والتدبير.

وهكذا قام العراق تحت ظروف دولية وجدها مغرية ومطمئنة بغزو الكويت في سابقة إقليمية خطيرة بين الدول العربية وفي منطقة الشرق الأوسط والعالم وذلك لسبب بسيط جداً وهو أن الغزو من شمائل الدول العظمى فقط !!!، وليس لأحد آخر أن يتحلى به أو ينتمي إلى النادي الخاص بأعضائه فهو حكر على الصفوة.

فإذا تجاوزنا التأريخ السابق الذي رسم الخرائط الجغرافية الحالية في الحربين العالميتين الأولى والثانية حيث كان الغزو ديدناً شائعاً وممارسة تقليدية للقوى العظمى في غياب رأي عام دولي ومنظمة دولية تستنكر الحروب وتكرس السلام، نجد أن الولايات المتحدة خلال فترة الحرب الباردة قد قامت بأكثر من غزوة في أميركا اللاتينية وقام الإتحاد السوفيتي بغزو أفغانستان. ولكن الغزو ليس سبة حين تقوم به دولة عظمى فهو من الشمائل التي قد تتغنى بها هذه الدول حين تسعى للتماهي مع أمجادها ولنقل مع مصالحها.

العراق أبرز من صَنع وصُنعت فيه الأحداث المدوية في الطور الثالث من تأريخ الشرق الأوسط.

فالغزو العراقي للكويت تبعه أول توغل عسكري أميركي كثيف إلى المنطقة في عاصفة الصحراء التي تركت العراق كسيحاً ليواجه بحصار طويل يمرر خلاله الكونغرس الأميركي عام 1998 قانوناُ تحت مسمى قانون تحرير العراق الذي أسس لشرعية احتلاله عام 2003.

نجحت الولايات المتحدة في تدمير إحدى القوتين الإقليميتين الهامتين في المنطقة، ولكن تداعيات ذلك لم تخدم المشروع الأميركي، فالولايات المتحدة ليست أكثر هيمنة على الشرق الأوسط عن ذي قبل. فمقابل خروج العراق من معادلة التوازنات في الشرق الأوسط برزت إيران، القوة الأخرى التي تؤرق الولايات المتحدة في أماكن متعددة من الشرق الأوسط، ويبدو أن الولايات المتحدة في حيرة من أمرها فيما يتعلق بالموقف من هذه الدولة، فتدميرها صعب جداً واحتواؤها صعب جداً كذلك.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae