تعتبر دولة ميانمار (بورما سابقا) من أحدث الدول حاليا التي تعاني من عواقب كارثية من جراء تعرضها للإعصار (نارجيس) الذي خلف وراءه أكثر من ستين ألف قتيل، إضافة إلى ملايين المشردين الذين يعيشون بلا مأوى وتحت وطأة ظروف قاسية.
ويتعذر على أكثرهم الحصول على المساعدات ومواد الإغاثة في ظل رفض معسكر جنرالات البلد المساعدات الدولية إلا وفق شروطهم، ولعل الشروط «الميانمارية» تلك تؤكد على مبدأ سيادة السلطة، بحيث لا يمكن للدول أو لهيئات الإغاثة الدولية التدخل لمد يد العون للمنكوبين خوفا من ضياع هيبة السلطة، إضافة إلى التخوف من عواقب هذه الخطوة بحيث تكون مجالاً للتدخل الأجنبي داخل البلاد، ولا سيما الولايات المتحدة.
ولعل انشغال مجلس الحكم العسكري بالاستفتاء على دستور البلاد الجديد أهم من انشغاله بالكارثة الإنسانية التي تعيشها ميانمار، فقد بدأ الناخبون في ميانمار الإدلاء بأصواتهم في الاستفتاء بالرغم من الدعوات الدولية لتأجيله، فمن وجهة نظر السلطات أن الاستفتاء على الدستور الجديد سيفتح الباب أمام الأحزاب لخوض الانتخابات المقبلة في عام 2010، على أن يؤدي ذلك إلى انتقال السلطة بشكل تدريجي إلى المدنيين.
لكن المتتبع لتاريخ ميانمار السياسي سيتوقف عند كثير من الحقائق التي اتسمت بالعنف من قبل السلطة العسكرية الحاكمة، بما فيها كتابة الدستور الجديد نفسه والذي انتُهي منه بدون مشاركة الرابطة الوطنية للديمقراطية حزب المعارضة الرئيسي، في ظل استمرار سريان القانون الذي يجرِّم إبداء تعليقات مخالفة بشأن الدستور.
وفرض القيود على مشاركة مندوبي المؤتمر في مناقشات مفتوحة. والمعروف أن السلطة العسكرية الحاكمة في ميانمار لا تزال تستخدم مجرمين منظمين للاعتداء على العديد من المدافعين عن حقوق الإنسان، ولا يزال مجلس السلم والتنمية في ميانمار يرفض التعاون مع آليات مجلس حقوق الإنسان بما في ذلك السماح للمبعوث الخاص للأمم المتحدة المعني بأوضاع حقوق الإنسان في ميانمار بدخول البلاد.
كما أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر لا تزال ممنوعة من زيارة السجون، الأمر الذي أدى إلى تدهور وضع حقوق الإنسان على مدار العام، حيث صعَّدت السلطات في العام الماضي من قمع المعارضة السياسية السلمية والمسلحة على حد سواء في مختلف أنحاء البلاد، ووضع مجلس الأمن الدولي ميانمار على جدول أعماله الرسمي باعتبار أنها ارتكبت انتهاكات متواصلة وواسعة النطاق للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي.
وفي ظل الأزمات السياسية التي تعيشها ميانمار والتضييق على المعارضة ودعاة حقوق الإنسان، فإن الإنسان في ميانمار تتمزقه الكوارث والفقر إلى جانب تسلط الدولة التي لها سجل حافل وطويل في مجال الجرائم الإنسانية بشكل منهجي وواسع النطاق، وعلى صعيد انتهاكات حقوق الطفل فإن الجيش في ميانمار يقوم بتجنيد الأطفال دون العاشرة إجباريا بسبب ارتفاع معدلات الهروب من التجنيد وقلة عدد البالغين الذين يمكن تجنيدهم.
وقال تقرير أصدرته منظمة هيومان رايتس ووتش تحت عنوان «بيعوا ليكونوا جنودا، تجنيد واستغلال الأطفال في الجيش في بورما» إن هناك الآلاف من الصغار في الجيش البورمي، وقال التقرير إن الأطفال يؤخذون من الأماكن العامة على أيدي الجنود أو سماسرة من المدنيين الذين يحصلون على المال من الجيش مقابل الأطفال.
ويقال إنه يتم إرسال هؤلاء الأطفال على الفور إلى ميادين المعارك أو المشاركة في أنشطة تعتبر انتهاكا لحقوق الإنسان مثل إحراق القرى، وحتى في هذه الأزمة اعتبرت منظمة حماية الأطفال المعنية بحقوق الطفل أن 40 في المئة من المفقودين والقتلى جراء الإعصار المدمر هم من الأطفال.
ومع تعاظم الإحباط الاقتصادي والسياسي الذي يشعر به الشعب البورمي، فإن الكوارث الإنسانية على غرار إعصار نارجيس تفاقم هذا الشعور، خاصة وان هذا الشعور قد وصل إلى الرهبان البوذيين الذين قادوا حركة الاحتجاج الأخيرة في رانجون فما كان من السلطات إلا أن منعت كل التجمعات التي يشارك فيها الرهبان.
كما أغلقت العديد من الأديرة الخاصة بهم، وكأن شعب ميانمار لا ينتظر إلا هذه الكارثة حتى يكتمل المشهد المأساوي الذي يعيشه، خاصة وان هذا الشعور لا يتقاسمه مع حكومته، ويكفي ما قامت به وكالات الإغاثة الدولية من ممارسة الضغوط على هذه الحكومة فقط من أجل السماح لها بالوصول إلى المناطق المنكوبة في ميانمار بهدف تنفيذ عملية إغاثة واسعة في ظل ارتفاع عدد ضحايا الإعصار.
وفي ضوء العراقيل التي قامت بها حكومة ميانمار لهذه المساعدات وفي إرجاء التعامل مع هذا الموقف الكارثي، لدرجة أن تناشد هيئات الإغاثة العالمية التوسط للإفراج عن هذه المساعدات كي تصل للمحتاجين في وقتها المناسب، فان السؤال الذي يطرح نفسه يتلخص في كيفية الاطمئنان على وصول هذه المساعدات إلى المحتاجين في ظل عدم وجود آلية تمكن المانحين من الوصول بمساعداتهم إلى بر الأمان.
بخاصة وان دولة مثل الإمارات ممثلة في مؤسسة دبي العطاء قد حشدت جهودها لبناء مئتي مدرسة في ميانمار غير المستقرة، والتي ينهشها جنرالات الحكومة العسكرية لدرجة أن المتحدث باسم برنامج الغذاء العالمي قال إنّه لم يسبق للوكالة الدولية أن شهدت مثل هذه المعارضة لجهودها من أجل توفير المساعدات للسكان الذين بدا أن ليس لهم حول ولا قوة!
وهناك مزحة قديمة تتردد في ميانمار عن سفر رجل أصيب بألم حاد في الأسنان إلى تايلاند لزيارة طبيب أسنان، وسأل الطبيب التايلاندي المريض مستغربا «من المؤكد أن هناك أطباء أسنان في ميانمار»، فأجاب الرجل «بالطبع لدينا بعض من أفضل أطباء الأسنان في العالم، لكن في بلادنا ليس هناك من يجرؤ على فتح فمه».
كاتبة إماراتية