لو يعلم حسن نصر الله أمين عام حزب الله فداحة الخسائر المعنوية التي تكبدها جراء تورطه في أحداث بيروت الأخيرة، لما كان أمر مقاتلا واحدا أن يخرج من بيته ليشارك في لعبة ثقب السفينة التي يدمنها الفرقاء اللبنانيون. لو يعلم أنه ومقاتليه سقطوا من شاهق بعد أن سحروا أعين الناس ببسالتهم في مواجهة العدوان الصهيوني، وتحولوا إلى فصيل مثل غيره يتعارك على السياسة ويدنس نفسه بأوحال الطائفية ويخوض بحر قاذورات كما وصفه أيلي حبيقة، لما فعل ما فعل.
طوال سنوات مثلت المقاومة فعلا نبيلا كان يمكن الفرز على أساس التحيز له بين وطني حقيقي ومدعي وطنية، وطوال سنوات تعلقت آمال الناس وأحلامهم بأبطال حقيقيين، فرفعوا نصر الله إلى مراتب قادة عظام مثل جمال عبد الناصر ونيلسون مانديلا، وطوال سنوات نسي الناس المذهبية والطائفية إذ أن سحر المقاومة جعلهم يتسامون عن ذلك، لكن كل شيء سقط في لحظة، ولم تعد هناك فروق تذكر بين نصر الله وجعجع وجنبلاط، فالجميع يمارسون نفس اللعبة، ويلعبون دورهم كقادة ميليشيا ضاربين عرض الحائط بنظرة البعض لهم على أنهم زعامات وطنية أكبر من الحقارات التي يتورط فيها قائد ميليشيا.
أعلم جيدا الدوافع التي جعلت أيدي المقاومة اللبنانية تتسخ بالدماء والاستفزازات والتحريض الخارجي، لكن كل ذلك لا يشفع ولا يبرر، فالمجد الذي حققه الحزب في السابق لم يأت فقط من كونه قاتل إسرائيل، بل أيضا لأنه ابتعد قدر ما يمكن عن السياسة بأوحالها وقذاراتها..
حين كان حزب الله بعيدا عن السياسة لم يكن ينظر إليه إلا باعتباره طليعة عربية مجاهدة تمنح الناس أملا في مستقبل أفضل، وحين تواطأ البعض وتمنوا هزيمته في حرب الصيف الأخيرة ضد إسرائيل نالوا احتقارا جماهيريا عربيا يجللهم بالخزي والعار.. غير أن السلاح يبدو مغريا لصاحبه كي يرتكب حماقات، ويجرف تصرفاته من خانة المقدس إلى خانة المدنس.
ما يلفت الانتباه أن حزب الله لم يكن الوحيد الذي تورط وسقط، وكان عليه أن يتعلم من تجربتين ليستا بعيدتين عنه، حماس في غزة والمقاومة العراقية في أرض الرافدين. الأولى ارتكبت خطيئة توجيه سلاحها إلى صدور الفلسطينيين، وساوت في لحظة من اللحظات بين الفتحاوي والإسرائيلي.
ونصبت نفسها خصما وحكما فعرت مقاومتها لإسرائيل وجعلتها محل شك وريبة، والثانية تورطت في صراع مذهبي فساوت بين طائفة من العراقيين وبين المحتل الأميركي، وتورطت في تصوير أحداث ذبح ونشرتها على نطاق واسع عبر الانترنت، ففقدت نبلها وإنسانيتها وخلطت بين العمل المقاوم وإرهاب الناس وترويعهم.
المقاومة عمل نبيل ولطالما تمنى المرء للمقاوم أن يغلق بابه على نفسه بعد إغلاق ساحات المقاومة ليظل محتفظا بوهجه وبريقه، ويمكن في هذا الصدد المقارنة بين رجلين روبرت موجابي رئيس زيمبابوي ذلك المناضل الحقيقي ضد الاستعمار والذي انتهى دكتاتورا انفض الناس عنه، وبين نيلسون مانديلا زعيم جنوب إفريقيا الذي جني ثمار نضاله وبقي في السلطة حتى استقرت الأوضاع ثم زهد في السلطة ورحل عنها ليبقى أيقونة وقيمة إنسانية فذة، بدلا من أن يتحول بمضي الوقت إلى رئيس عالم ثالث يقمع المعارضة ويوسخ تاريخه بأدران حكم طويل.
لو استشهد حسن نصر الله أو اعتزل بعد جولة المقاومة الأخيرة ضد إسرائيل لبقي بطلا ورمزا تتغنى به الأجيال كما تتغنى بتشي جيفارا، أما اليوم فقد تبددت الخيوط التي كانت تفصل نصر الله عن سمير جعجع وأيلي حبيقة وغيرهم من قادة الميليشيات.. انه لشيء محزن حقا.