من المدهش كيف تحولت حياتنا إلى سوق كبير. أينما ذهبت وأينما نظرت تجد دليلاً على ذلك: ليس هناك ما هو أكثر انتشاراً من الإعلان، ولا عمل يتكرر مثلما يتكرر التسويق. إذا سرت في الشارع صادفتك الإعلانات الكبيرة على جانبي الطريق، وإذا ذهبت إلى السينما فُرضت عليك جرعة إجبارية من الإعلانات، وإذا فتحت التلفزيون وجدت برنامجك المفضل تقطعه الإعلانات.

بل ويتجرأ المعلن على قطع حديث أي شخص مهما كان مقامه ومنصبه، ومقدم البرنامج يعرف جيداً أنه إذا رفض الإعلان ما وُجد البرنامج أصلاً، إذ إنه يعتمد في تمويله على المعلنين. في المباريات الرياضية إعلانات كبيرة على كل جوانب الملعب تدعوك إلى شراء شيء أو آخر، بل القميص نفسه الذي يرتديه لاعب كبير يحمل إعلاناً لترويج سلعة أو أخرى، بل وزحفت الإعلانات إلى داخل المدارس والجامعات.

فشركة كبيرة تنتج سلعة غذائية أو مشروباً غازياً قد تتبرع للمدرسة أو الجامعة بمبلغ كبير مقابل أن يوضع اسمها على حجرة أو مدرج وتطلب من المدرسة أو الجامعة أن يكون من بين الجوائز التي توزع على الطلبة المتفوقين بطاقة مجانية تعطي للطالب الحق في الحصول على سلعة او خدمة من منتجات هذه الشركة، ناهيك عن الصحف والمجلات.

ان ما يزيد على نصف صفحات الجريدة او المجلة يذهب في الإعلانات، وقد تطور الامر فأصبح المقال الذي كنا نظنه بريئاً يستهدف تقديم رأي أو خبر، يكتب اصلاً بدافع الترويج لسلعة أو خدمة بقصد زيادة ربح شركة او اخرى. فإذا بالمقال ايضاً قد تحول الى اعلان.

أو افحص ما يصل اليك من بريد، تلاحظ تزايد نسبة الخطابات التي تظنها في البداية خطابات شخصية، فإذا بها في الحقيقة إعلانات، وزحفت الظاهرة نفسها على ما تتلقاه من مكالمات تلفونية، فإذا بشخص يعرف اسمك ويناديك به (ولا تعرف من اين حصل عليه) ويدعوك لشراء شيء أو آخر.

لا نهاية لما يمكن ضربه من أمثلة. وهو امر لابد ان يثير الدهشة ويدعو الى التأمل. هؤلاء جميعاً منتجون يبحثون عن مستهلكين، فهل انقلب الامر حقاً ولم تعد المشكلة الاقتصادية مشكلة راغبين في الاستهلاك يبحثون عن سلع وخدمات، بل اصبحت مشكلة سلع وخدمات تبحث عن مستهلكين؟

كنا في صبانا نتعلم (ومازال التلاميذ حتى الآن يتعلمون) ان المشكلة الاقتصادية هي مشكلة ندرة، أي ندرة الموارد بالمقارنة بالحاجات الانسانية: الموارد الاقتصادية (أي وسائل الانتاج والسلع والخدمات) محدودة، والحاجات الانسانية غير محدودة.

فهل اصبحت الحقيقة ان الموارد والقدرة على الانتاج هي التي اصبحت غير محدودة، والحاجات الانسانية هي القاصرة عن استيعاب ما يمكن انتاجه، ومن ثم فلابد من الاعلان، والالحاح فيه ومضاعفة جهود التسويق؟

من المدهش حقاً كيف حدث هذا التطور في فترة قصيرة من الزمن، لا تكاد تتجاوز قرناً واحداً من الزمان، فالاقتصاديون الذين يسمون بالاقتصاديين التقليديين، والذين سادت افكارهم في الجزء الأكبر من القرن التاسع عشر، كانوا بلا شك يفهمون مشكلة الندرة على النحو الذي اوضحته منذ قليل.

ندرة السلع والخدمات بالمقارنة بحاجة الناس اليها، ولم يكن ليخطر ببالهم ان من الممكن ان يتطور الامر الى العكس بالضبط، فتصبح المشكلة هي ندرة المستهلكين، ومن ثم تظهر هنا الحاجة الملحة الى كسب مستهلكين جدد عن طريق الاعلان.

لقد زادت القدرة الانتاجية اضعافاً مضاعفة في المئة والخمسين عاماً الأخيرة، وهذا هو الذي ادى الى ان الانسان الذي كان شيئاً نادراً باعتباره عاملاً (أي باعتباره مساهماً في الإنتاج) أصبح شيئاً نادراً باعتباره مستهلكاً.

قد يبدو هذا التطور لأول وهلة شيئاً يدعو إلى الابتهاج، إذ ما أعظم أن تزول مشكلة الندرة بشكلها القديم، والتي صاحبها عناء شديد، وجهد وعرق من أجل كسب الرزق، وما أجمل أن تحل محل ذلك هذه الصورة الحديثة للندرة، التي يتلقى فيها الإنسان مختلف أنواع التدليل والترغيب والإغراء، على أمل أن يتفضل ويتكرم ويقوم بشراء سلعة أو خدمة.

ولكن الأمر في الحقيقة لا يدعو إلى الكثير من الابتهاج، صحيح أن العامل فيما مضى كان يكد ويكدح طول اليوم ليكسب مالا يكاد يسد رمقه، ولا يكاد يجد لديه من وقت الفراغ ما يكفي لأكثر من النوم، يبدو الآن وكأن لديه ساعات طويلة من الفراغ، ومحاطاً بما لا نهاية له مما لذ وطاب ليختار منه ما يشاء، وهذا التطور لا بد أن ينسب الفضل فيه بالطبع إلى التقدم التكنولوجي.

ولكن يبدو أن كل تقدم تكنولوجي، منذ أن اكتشف الإنسان طريقة إشعال النار، يحرر الإنسان ويقهره في نفس الوقت، فالنار تحرر الإنسان من قسوة الشعور بالبرد وتسهّل عليه إعداد طعامه للأكل، فتمنحه وقت فراغ أطول، ولكن النار عرضة أيضاً لخطر الموت حرقاً.

والآلة البخارية حررت الإنسان من قهر النظام الإقطاعي، ولكنها أخضعته لقهر صاحب المصنع، وها نحن نرى الآن كيف أدى التقدم التكنولوجي في إنتاج مختلف السلع والخدمات إلى تحرير الإنسان من الكد والتعب من أجل إشباع حاجاته، ولكنه أخضعه لنوع جديد من القهر وهو الذي يتمثل في عملية التسويق نفسها.

فهذا التسويق المستمر يخلق باستمرار حاجات حديثة للإنسان لم تكن تخطر له على بال، فإذا هو يريد ما لم يكن يريده، ويطمح إلى ما لم يكن يطمح إليه، ويتعذب من أجل الحصول عليه، بعد أن كان خالي البال تماماً، من أي شعور بضرورته.

كان الإنسان يلهث من طول ساعات العمل، فأصبح يلهث من فرط استبداد الرغبة به، وإذا بساعات الفراغ التي كان يحلم بها ولا ينالها، من شدة ما يتعرض له من قهر العمل، قد ضاعت من جديد بسبب قهر الاستهلاك.

كاتب مصري