لن نمل من تذكير المعنيين بأن أنسب المقاربات وأكثرها نجاعة وتاريخانية لتشوف مسار الكيان الصهيوني (إسرائيل) ومصيره، هي التي تستند إلى تبصر سنن التجارب الاستعمارية الاستيطانية قياماً وقعوداً؛ نجاحاً وفشلاً؛ ازدهاراً وأفولاً.

ندفع بهذه القناعة من دون أن نبخس قضية تفرد المشروع الصهيوني وكيانه السياسي الدولتي بسمات خاصة يصعب العثور عليها في السوابق الأخرى. فالتمايز والاختلاف النسبيان متوفران في كل النماذج الاستعمارية المقارنة. بيد أن ثمة بين هذه النماذج قواسم مشتركة لا ينبغي لمدققٍ أريب إغفالها أو المرور عليها بمجرد نظرة طائر.

لنا أن نلاحظ مثلاً كيف اتخذت هذه النماذج ،على تباين الأزمنة والأماكن التي شهدت نشوئها وانتشارها، من الأبعاد الدينية الروحية أو المزاعم التبشيرية المعنوية الأخلاقية غطاء لها تتدثر به وتتكئ عليه. فالفرنجة مهدوا لحملاتهم وردفوها بخطاب تحريضي عن حماية الأماكن المقدسة والحجاج المسيحيين في الشرق.

ومن بعدهم ببضعة قرون رفع المستوطنون الغربيون عموماً لواء عبء الرجل الأبيض وهم يغزون الأميركتين ثم جنوب أفريقيا. وفعل الفرنسيون الشيء ذاته بين يدي زحفهم نحو الجزائر. ولم تكن الحركة الصهيونية بدعاً من هذا التوجه حين جعلت من اليهودية هوية قومية وادعت أن لليهود وعداً إلهياً يمنحهم فلسطين وبعض جوارها الجغرافي.

وليس بلا دلالة أيضاً أن الغزوات الاستيطانية جميعها قد غلفت سلوكها تجاه المجتمعات الأصلية بأبعاد وتصرفات عنصرية تمييزية، وأنها كانت دوماً مفارقة ومجافية للروح الإنسانية التسامحية في تعاملها مع هذه المجتمعات .. الأمر الذي صبغ هذا السلوك بالعنف الشديد والاعتماد المفرط على أدوات القوة العارية.

وأنها كانت مهجوسة بضرورة مغالبة السكان الأصليين بالتفوق النوعي عليهم من ناحية ووقف نموهم البيولوجي وإغراقهم بموجات الهجرة من ناحية أخرى. وفي هذا السياق لم تتورع هذه الغزوات عن اقتراف كل الموبقات، بما في ذلك جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقى.

في كل حال، نفهم من عبر التاريخ ودروسه ومن الأدبيات ذات الصلة أن التجارب الاستيطانية انتهت إلى واحدٍ من مصائر ثلاث:

أولها، هو تمكن المجتمعات الأصلية من استجماع قواها وطاقاتها وحشدها على نحو أدى إلى كنس الغزاة المستوطنين والانتصار عليهم والتحرر من سيطرتهم ووجودهم تماماً. ولعل أشهر الأمثلة على ذلك ما جرى مع غزوات الفرنجة في مشرق العالم العربي بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر، ومع المستوطنين الفرنسيين (والغربيين) بالجزائر في تاريخ أقرب.

ثانيها، هو حدوث العكس على طول الخط .. أي تمكن الغزاة من رقاب المجتمعات الأصلية وتحقيق الانتصار عليها وصولاً إلى سحقها وربما إبادتها بالكامل. هذا ما حدث في أميركا الشمالية بشكل صارخ وفي أستراليا بحيثية أقل وضوحا.

أما ثالث هذه المصائر فيتمثل في وقوع شيء من الامتزاج والتداخل والمخالطة بين المستوطنين والسكان الأصليين على غرار النموذج الأميركي اللاتيني،أو حدوث نمط من أنماط التعايش والحياة المشتركة بين الفئتين الغازية والأصلية على نحو ما أفضى إليه نموذجا زيمبابوي وجنوب أفريقيا أساساً ونموذج ليبريا نسبياً.

رعاة المشروع الصهيوني داخل إسرائيل وخارجها يقرأون هذه السوابق وسيرها بعناية شديدة. وهناك باحثون تخصصوا في هذه القراءة؛ يجتهدون ما وسعهم الوقت وأسعفتهم المعرفة في تحديد موقع مشروعهم الاستيطاني من الإعراب المستقبلى.

ونحسب أن هؤلاء الدارسين والشراح قد أصبحوا على يقين من حقائق بعينها توجب عليهم استشعار التشاؤم والشكوك ،أو اللاأدرية في الحد الأدنى ، إزاء سؤال المصير، منها بلا حصر ولا ترتيب:

ـ أن الكيان الاستيطاني الصهيوني يعاني من مظاهر للفشل المروع قياساً بالأسس النظرية والفلسفية والأهداف التي حددها آباؤه الأوائل وفقهاؤه المؤسسون ..كعدم اجتذاب كل يهود العالم ، والحياة تحت السلاح وهواجس الخطر على مدار الساعة، والإخفاق في طمأنة الذين آثروا الهجرة إليه واستيطانه على أمنهم وسلامتهم، والتهافت القيمي والاخلاقى، واختفاء القادة المثاليين من ذوى السيرة التي تدعو بمفهومهم للاحتذاء والفخر، وتفشى مظاهر الفساد من قمة رأس الكيان إلى أخمص قدمه علاوة على سلوكيات الفاشية والبلطجة في الداخل والخارج.

ـ هذا الكيان ورغم استحواذه على أدوات القوة والتفوق العسكرية وتوفر المدد الغربي بكل صنوفه، إلا إنه لم يردع العرب عن محاربته ولا أجبرهم على الاستسلام لشروطه والاقتناع بحياته الأبدية ..والأهم أنه فشل في التخلص من المجتمع الفلسطيني الأصيل الذي نما وتطور بمعدلات قياسية على الصعيدين الكمي والنوعي بما أوجب عليه، وعلى كافة الخلق، الاعتراف بأحقيته في كيان سياسي على أرض «لوعد الإلهي التوراتي» ذاتها!.

ـ إسرائيل فقدت تقريبا ميزتها الوظيفية المتعلقة بحراسة المصالح المادية، الاقتصادية والاستراتيجية ونحوها، بالنسبة لعالم الغرب. وهي على وشك أن تفقد دورها الديني والروحي الذي يزعمه لها الرؤيويون الألفيون والمهووسون بأنها واحدة من آيات وعلامات عودة المسيح والألفية السعيدة قبل يوم القيامة. فالغرب أعاد رحاله الى «الشرق الأوسط» وحط بقواه الذاتية فيه مرة أخرى . وتديين الصراع أدى إلى زيادة العداء والكراهية لإسرائيل ومحازبيها معاً ووسع دائرة الداعين للمواجهة معها ومعهم. وهذا نذير شؤم عليها وعليهم.

ـ تملك إسرائيل ميزات استثنائية تستدعى التعلق بوجودها والمصادقة عليه طوعاً أو عن تراض من لدن محيطها الإقليمي. فما تدعيه من سبق علمي وتقني متوفر لدى آخرين كثيرين في هذا العالم الفسيح المتواصل كقرية صغيرة. وهي من الدنو والوضاعة حضاريا وقيميا بحيث لا تستطيع الزعم بأنها مركز إشعاع إيجابي على هذا المحيط.

القصد، أن المهمومين المؤرقين بقضية وجود إسرائيل وفنائها عن تعاطف معها أو عداءٍ لها، باتوا يستشعرون غياب وانتفاء الحاجة لها فلسطينياً وعربياً وإقليمياً ودولياً (غربياً؟!). فهي عند بعضهم مصدر إثارة لحروب كارثية دامية وانتزاع لحقوق ظاهرة تاريخياً وقانونياً وسببا جوهريا للإعاقة التنموية وإهدار الموارد والكرامة.

وهي عند البعض الآخر، الموالي والراعي لها أصلاً، أصبحت بؤرة إقلاق وتهديد للمصالح وتعميق للكراهية مع بعض الأقوام الأخرى، العربية والإسلامية بالذات، فضلاً عن دورها في استفزاز التطرف والغلو السياسي والديني في جهات كثيرة.

تجدر الإشارة هنا إلى ما أثبته استطلاع للرأي في دول الاتحاد الأوروبي قبل ثلاثة أعوام من أن عامة الأوروبيين يرون في إسرائيل الدولة الأخطر على الأمن الدولي!.وإذا كان هذا هو موقف أرباب مشروع الكياني الصهيوني (أو حتى اليهودي جدلاً) فكيف الحال عند الآخرين ؟!.

على أن الأكثر من مواقف «الأغيار» هنا وهناك دلالة على سديمية الأفق أمام إسرائيل هو موقف اليهود أنفسهم، الذين راحت قطاعات مهمة منهم تشكك في الحاجة إليها وتعتقد بأنها ربما كانت عبئاً عليهم وليس العكس. مثلاً، أبراهام تيروش السكرتير السابق في حكومة مناحم بيجن مشغول بضعف قدرة الصهيونية على إقناع يهود العالم بالهجرة إلى إسرائيل، وتجاهلهم لها وعدم الرغبة في زيارتها وإقبالهم على الزواج المختلط والهجرة المعاكسة.

ورافي ريفلين الرئيس الأسبق للكنيست يتحسر لأن «الإسرائيليين يائسون؛ يتسابقون للحصول على جوازات سفر أوروبية ليستخدموها في الفرار عند الحاجة .. وهم كافرون بأسطورة الدولة ولا يعتبرونها حصنهم الأخير..». وهناك آخرون من كبار رموز اليهودية العالمية داخل إسرائيل وخارجها ممن يتبنون هذه التصورات .. بل ومنهم من يذهب إلى أن وضعهم قد ساء أكثر داخل مجتمعاتهم الأم، كونهم صاروا يُساءلون عن سوءات هذه الدولة التي تزعم تمثيلهم، مُعرضة إياهم لموجات من الغضب في هذه المجتمعات وللإسترابة في ولائهم لها.

بالنظر إلى هذه الخلفية ومعطياتها، لابد أن قراء طالع إسرائيل من الصهاينة ومحازبيهم وجلون ويتخوفون من مصير النموذج الإفرنجي في فلسطين وجوارها قديماً؛الفرنسي في الجزائر حديثاً.. الذي يعنى احتمال زوال هذه الدولة.

ونحسب أن هكذا مخاوف يمكن أن تزداد عمقاً وصدقية اذا ما استحضر هؤلاء فكرة أن المنطقة العربية وحدها دون غيرها من بلاد الله هي التي عرفت النماذج الاستيطانية الفاشلة كلياً إلى درجة الاستئصال والموت، وأن الدولة الصهيونية كلما جنحت إلى النقاء اليهودي أصبحت معزولة أكثر وغير قابلة للتعايش المختلط مع الفلسطينيين داخلها ولا مع المحيط العربي الإسلامي من حولها، وهو ما يبعدها عن مصير النموذجين اللاتيني والجنوب أفريقى.

وبالطبع فإن من يتوقع انتصاراً إسرائيلياً على الفلسطينيين يبيدهم ويمحوهم من الخريطتين الجغرافية والسياسية كمثل «الهنود الحمر»، يحاور في دائرة المستحيل.. ولا أدل على ذلك من أنه بعد ستين عاماً من عمر هذه الدولة الاستيطانية، لا تدور التكهنات والتشوفات حول وجود سكان فلسطين الأصليين وأحقيتهم في دولة، وإنما تدور أساساً حول مدى قابليتها هي للاستمرار والديمومة ولو في الأجل الطويل!.

كاتب وأكاديمي فلسطيني