تصاعد الأزمة في منطقة القوقاز واقترابها من الصدام المسلح لا يمكن تصورها بمنأى عن تدخلات غربية في المنطقة، حيث لا يمكن تصور إقدام جورجيا على التحرش بجارتها الكبيرة روسيا وسعيها للصدام معها لمجرد أن النظام الجورجي مصمم على استعادة جمهوريتي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية المنفصلتين عن جورجيا عام 1992، ولو سألنا الشعب الجورجي أيهما تفضل .

عودة أبخازيا وأوسيتيا أم السلام مع روسيا، لاختار الشعب السلام مع روسيا الجارة الأم التي يعيش فيها أكثر من مليونين من الجورجيين يعملون فيها ويرسلون الأموال لعائلاتهم في جورجيا، وأيضاً يعتمد الاقتصاد الجورجي الضعيف اعتماداً كلياً على السوق الروسية ولا يجد أسواقاً أخرى لاستيعاب منتجاته الزراعية المتواضعة، كذلك تعتمد جورجيا على الغاز الروسي كمصدر رئيسي للطاقة عندها.

ورغم هذا كله يذهب النظام الجورجي برئاسة الشاب ميخائيل ساكاشفيلي الذي أتت به الثورة الوردية المدعومة علناً من واشنطن عام 2003، يذهب إلى أقصى مستوى من التحدي غير المبرر مع روسيا ويستفزها لدرجة ربما لن يتحملها الصبر الروسي كثيراً.

الأمر أكبر من مجرد استفزاز وابتزاز لروسيا، الأمر في الحقيقة مخطط أكبر حتى من جورجيا نفسها، إنها الحرب في القوقاز، هذه الحرب التي على ما يبدو أصبحت أمراً ملحاً الآن بالنسبة للغرب أكثر من أي وقت مضى، هذه الحرب التي ورد الحديث عنها أكثر من مرة في كتابات وأحاديث صقور اليمين الأميركي من المفكرين والمنظرين والسياسيين أمثال كيسنجر وبريجنسكي وفوكوياما وغيرهم.

والآن عادوا يؤكدون عليها كحل وحيد لإيقاف القوة الروسية المتنامية بسرعة والعائدة بفاعلية كبيرة على الساحة الدولية، هذه الحرب أشار إليها بريجنسكي في كتابه «رقعة الشطرنج العظمى» عام 1997، وتحدث عنها مؤخراً هنري كيسنجر والعجوز شولتز وزير الخارجية الأميركية الأسبق بعد زيارتهما لروسيا صيف العام الماضي، وليس فقط هؤلاء من عجائز الصقور .

بل إن الصقور الحاليين في الإدارة الأميركية يتحدثون كثيراً عن هذه الحرب كضرورة أساسية لإشغال روسيا وإغراقها في نزاعات وحروب تستنفد قوتها وإمكانياتها الاقتصادية والعسكرية، هذه الحرب التي لا يستطيع أحد في الغرب ولا حلف الناتو أن يتولى أمرها بشكل مباشر مع روسيا، لسبب بسيط وهو استحالة صدام الكبار.

ولهذا دائماً يبحثون عن الصغار الذين يوافقون على أن يتولوا هذه المهمة نيابة عنهم، وليس لديهم في المنطقة غير النظام القائم الآن في جورجيا والذي تم إعداده مسبقاً في واشنطن باعتراف الرئيس بوش الابن نفسه الذي قال إن الرئيس ساكاشفيلي تلقى إعداده في المعهد الجمهوري في واشنطن قبل توليه الحكم في جورجيا.

وتشكل جورجيا في حد ذاتها أهمية كبيرة بالنسبة لصقور اليمين الأميركي، فهي تقع بين روسيا في الشمال وإيران في الجنوب، وبالتالي فهي مؤهلة لفصل الحليفين ووقف التعاون الروسي الإيراني في حالة قيام واشنطن بتوجيه ضربة عسكرية لإيران، وهذا الأمر لا يمكن تحقيقه إلا في حالة انشغال روسيا في حرب في القوقاز مع جورجيا بالتحديد، ولكن هل تستطيع جورجيا الصغيرة الضعيفة الصمود أمام القوة العسكرية الروسية الجبارة ؟

بالقطع لا، ولكن الحرب التي على ما يبدو أنها مخطط لها مسبقاً لن تكون بين جورجيا وروسيا مباشرة بل ستكون بين جورجيا وأبخازيا الجمهورية الصغيرة المنفصلة عنها، وبالقطع أن روسيا ستدعم أبخازيا عسكرياً، خاصة وأن هناك قوات عسكرية روسية موجودة في أبخازيا منذ عام 1994 لحفظ الأمن والسلام هناك بقرار من رابطة الدول المستقلة.

وهذه القوات لن تنسحب من أبخازيا، بل أن الرئيس بوتين قرر دعم هذه القوات منذ أيام بأعداد أخرى، في الوقت الذي تتحرك فيه القوات العسكرية الجورجية بكثافة تجاه أبخازيا لتزيد الوضع تأزيماً وتصعيداً. إشعال الأزمة في القوقاز ليست النهاية بل هي البداية لتوسيع رقعة الحرب والصراعات في العالم كله وخاصة في إقليمي وسط آسيا والشرق الأوسط.

وستشكل هذه الحرب تمهيداً مباشراً لبدء الإعداد لتوجيه ضربة عسكرية لإيران سوف تشعل النيران في منطقة الخليج، وهذا ما يبرر تصريحات صقور اليمين المحافظ في واشنطن التي تؤكد على بقاء القوات الأميركية في العراق إلى أجل غير محدد، وأيضاً يبرره بقاء البوارج البحرية وحاملات الطائرات الأميركية التي دخلت مياه الخليج منذ شهور ولا تريد الخروج منها.

إنها الحرب، ولا شيء غير الحرب، إنها السلعة الأساسية لليمين الأميركي الذي قرر منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 استنفاد ثروة الدولة الأميركية العظمى إلى آخر قطرة، لقد خرجت الآلة العسكرية الأميركية للساحة الدولية وأصبح من الصعب إعادتها.

وتقارير البنتاغون التي تسربت منذ أعوام التسعينات تؤكد على أن الأمر ليس مجرد حربين في العراق وأفغانستان، بل عدة حروب في المنطقة، وخاصة في وسط آسيا والشرق الأوسط، وربما حتى في أوروبا نفسها، وهو ما ينبئ به سيناريو إعلان استقلال كوسوفو عن صربيا.

الحرب في القوقاز تهدف في الأساس استبعاد روسيا التي أصبحت تشكل عائقاً كبيراً بدعمها لبعض الأنظمة المشاغبة والمارقة، وجورجيا هي الورقة الرئيسية في هذه العملية، ونيران القوقاز سوف تشتعل ثم تمتد تدريجياً لتصل إلى الشرق الأوسط ساحة اللعب الرئيسية للأميركيين، ولهذا بالتحديد يجب على المجتمع الدولي وعلى الدول المتواجدة في منطقة وسط آسيا والشرق الأوسط أن يتنبهوا من الآن قبل أن تشتعل النيران، وأن يسعوا لبذل جهودهم للحيلولة دون تحقيق المخططات الأميركية المدمرة.

جامعة سيبيريا