قبل أكثر من عشر سنوات دخلت مع صديق لي إحدى البقالات في مدينة بريطانية، فطلب صديقي من البائعة أن تناوله إحدى البضائع التي كانت معروضة خلفها على الرف، فرفضت وقالت له قل: لو سمحتِ. أحس صديقي بالإهانة فرفض، فطلبت منه البائعة أن يخرج من البقالة.

وبعد أخذ ورد وافق على قول الكلمة السحرية التي كان وقعها شديداً على كرامته، فحصل على ما يريد وخرج من تلك البقالة دون شكر المرأة التي كانت تصرخ عليه من خلفنا وتطالبه بقول كلمة (شكراً) فأقسم ألا يقولها وألا يعود لتلك البقالة مرة أخرى.

كانت تلك أول زيارة لصديقي إلى بريطانيا، ولكن مع مرور الوقت أجبر على قول (لو سمحت وشكراً) كلما أراد شيئاً من شخص ما، حيث أيقن أنه إن لم يفعل ذلك فإنه سيعرض نفسه للتوبيخ من الآخرين. في كل مرة أرى حواراً بين عربي وأجنبي أشعر بنوع من الحرج>

فعلى سبيل المثال كنت قبل يومين في افتتاح أحد المعارض في دبي، وقبل الافتتاح بدقائق سأل رجل أجنبي رجلاً عربياً ـ يبدو أنه يعرفه معرفة رسمية ـ عن شيء ما، فرد عليه العربي دون أن يلتفت إليه حيث كان نظره مثبتاً على البوابة الرئيسية، وعندما شكره الأجنبي وابتسم له، هزّ العربي رأسه بصمت وشموخ بالغين دون أن ينظر إليه، حتى خلته عمرو بن كلثوم ينظر بفخر واعتزاز إلى جثة عمرو بن هند ملقاة تحت قدميه!

وأذكر مرة أننا كنا جالسين مع أحد الفنانين العالميين، وكان ذلك الفنان يلتفت إلى النادل في المطعم، وينظر في عينيه كلما سأله النادل عن شيء، حتى خلنا أن النادل مسؤول حكومي أو قريب عزيز على قلب ذلك الرجل. تساءلت عندها، لماذا يحجم العربي عن النظر إلى أعين الآخرين عندما يحدثهم أو عندما يحدثونه؟

هل هو نوع من الخوف والتردد! أم أنه أحد مظاهر الاعتزاز بالنفس (العربية) وتصغير للآخرين الذين لم يبلغوا ذلك الكمال البشري! كنت وما زلت أعاني من هذه القضية كلما شاهدت عربياً يتحدث إلى أجنبي، فتجد الأخير ينصت باهتمام وينظر بتمعن في وجه الأول لكي لا تظهر عليه أية علامة من علامات السأم أو الملل، وفي المقابل يحظى الأجنبي بتجاهل عربي تام عندما يبدأ هو بالحديث، فتجد العربي ينظر إلى مكان آخر أو يعبث بهاتفه النقال!

والطامة الكبرى تكون عندما يبادر العربي بمقاطعة الأجنبي ليبدي له وجهة نظره، حيث يصعب عليه أن يستمع إلى الآخرين حتى ينهوا حديثهم، وهو في حاجة شديدة لإطلاق العنان للسانه الذي ما أن يبدأ حتى يقيم الدنيا ولا يقعدها.

استمع إلى المقابلات الإذاعية وشاهد المقابلات التلفزيونية التي يكون ضيوفها عرباً وستعي ما أقول. يؤسفني أن أقول ذلك وأنا عربي أفخر بعروبتي ولكنها الحقيقة، فنحن لا نعرف متى نتوقف عن الحديث، ولا نستطيع أن نفسح المجال لمن يخالفنا أو حتى لمن يوافقنا الرأي لكي يكمل حديثه إلى النهاية ليوصل فكرته إلينا بطريقة واضحة.

ونحن عادة نقدم نقاط الاختلاف مع الآخر ـ وخصوصاً إذا لم يكن عربياً ـ على نقاط الاتفاق معه، ونتوقع من الآخرين أن يتقبلوا منا كل شيء نقوله، لا لشيء إلا لأنه صدر عنا! لكل شعب محاسنه وعيوبه، ولا يعني ذلك أن العرب على الإطلاق يفتقدون أساسيات الذوق العام، وأن الأجانب على الإطلاق أيضاً يتحلون بجميع أدبياته، ولكن هناك قواعد أساسية في التعامل بين البشر لا يمكن إغفالها، فهي تشكل في مجملها صورة أي مجتمع، وهي أيضاً إحدى ملامح هويته.

إن الذوق العام هو نتاج منظومة مجتمعية قائمة على احترام الآخر قبل كل شيء وعلى المساواة بين أفراد المجتمع بعد ذلك، فلكل شخص حقه واحترامه دون وضع معايير أو مقومات لذلك الاحترام، وبالتالي لا يستطيع شخص أن يبخس شخصاً آخر حقه من التقدير أياً كانت الأسباب. ولذلك أصبحت كلمة الاعتذار إحدى أهم مكونات الشخصية الغربية التي لا تأنف من استخدامها كلما برزت الحاجة إليها.

فعندما كذب كلينتون على الشعب الأميركي أمام شاشات التلفاز وأنكر علاقته بمونيكا لوينسكي، عاد بعدها واعتذر أمام نفس الشاشات لجميع أفراد الشعب في موقف تاريخي يحسب لكلينتون لا عليه ـ لا يعني هذا أن كلينتون كان حمامة سلام ـ أما مونيكا فقد قالت: «أقف اليوم أمام الشعب الأميركي وأنا مكسوة بالعار لما قمت به، لا أحلم أن تقبل هيلاري وتشيلسي كلينتون اعتذاري، ولكني أريد أن أقول لهما بأنني آسفة جداً».

هل يستطيع عربي أن يعتذر لزوجته لأنه دخل البيت بعد منتصف الليل ـ إلا إذا كان يخاف منها ـ أم أن في ذلك انتقاصاً لكرامته ولرجولته! وهل يستطيع العربي أن يقول «لقد أخطأت»؟ أم أن ذلك شأن بين المرء وربه؟ ومتى سيدرك العربي أنه إذا كان الاعتراف بالحق فضيلة فإن الاعتراف بالخطأ فضيلة أيضاً؟

إن إحدى أهم مقومات الذوق العام في أي مجتمع هو احترام أفراده للفن والثقافة، فعندما يرتاد الناس المتاحف ويؤمون المكتبات ويقتنون الكتب ترقى الذائقة العامة للمجتمع، ويصبح أفراده أكثر قدرة على تقدير الحياة من حولهم وعلى تذوق جمالياتها.

وحتى أولئك الذين ينأون بأنفسهم عن هذه الأفعال الحسنة فإنهم على الأقل لا ينكرون على أصحاب الآداب الجمة والأخلاق الرفيعة بورجوازيتهم في الحياة، وهذا أقل ما نطمح إليه في مجتمعاتنا العربية. نطمح ألا يضحك العامة من المثقف، ونطمح ألا ينتقصوا من كرامة الفنان ويسفّهوا أعماله.. فليس من الضروري أن يتذوق المجتمع الفن، ولكن المطلوب هو أن يقدر أهميته ومكانته حتى يرتقي أفراده.

باحث إماراتي

yasser.hareb@gmail.com