ستون عاما تمضي على تأسيس دولة إسرائيل على أرض دولة أخرى كان اسمها «فلسطين»، ورغم بقاء هذا الاسم الذي كان «فلسطين»، إلا أنه يرمز الآن لأشياء أخرى كثيرة غير «الدولة»، فهو جنسية لشعب لاجئ مشتت في بلاد الأرض، وهو اسم لقضية يتشدق بها العرب ويصممون على وصفها حتى الآن بالقضية الأم، ربما يقصدون الأم المرحومة التي رحلت للأبد بلا عودة، وأحيانا يطلقونها على دولة وهمية لا وجود لها تستخدم فقط للتسلية على طاولات المباحثات وتوضع كـ «أفيش» على تصريحات ومبادرات الوعود الكاذبة.
إنها ليست ذكرى نكبة تأسيس دولة إسرائيل على أرض دولة فلسطين، بل هي نكبة سقوط دولة فلسطين نفسها كدولة من الذاكرة العربية عامة والفلسطينية خاصة، وأصبحنا نتحدث الآن عن مسخ مشوه لكيان يسمونه دولة للفلسطينيين، وهو أبعد ما يكون عن الدولة وأقرب ما يكون من سجن، وحتى هذا المسخ المشوه الأمل فيه ضعيف للغاية.
الآن بعد ستين عاما لم يعد أحد من الفلسطينيين يتذكر أنه كانت هناك دولة اسمها فلسطين، وقد نشأت جميع الأجيال الفلسطينية الموجودة الآن في ظل وجود دولة إسرائيل المعترف بها دوليا، و لم يروا شيئا من دولة فلسطين، وفي هذا الأمر بالتحديد تكمن النكبة الكبرى.
حيث إن الاحتلال الصهيوني لفلسطين يختلف في كل شيء عن كافة أشكال الاحتلال التي شهدها التاريخ البشري، فقد استمر الاحتلال البريطاني والفرنسي والإيطالي والأسباني وغيرها للعديد من الدول وشعوب العالم عشرات بل مئات السنين، لكنه طيلة كل هذه السنين لم يفقد صفة ومسمى الاحتلال الأجنبي، ولهذا ظلت الشعوب المحتلة أراضيها محتفظة بذاكرتها وهويتها وانتمائها للأرض والوطن.
وانعكس هذا بشكل واضح في نضال هذه الشعوب الذي استمر لدى بعضها مئات السنين، لكنه في النهاية حقق النصر والتحرير وجلاء المحتل الأجنبي، وذلك لأن هذه الشعوب المناضلة لم تفقد انتماءها وذاكرتها الوطنية وحتى منها الشعوب التي أجبرت على مغادرة أوطانها واللجوء لأوطان أخرى عادت لتحرير وطنها، أما في فلسطين فقد اختلف الأمر.
حيث ركز الصهاينة كل جهدهم منذ البداية على تغيير التاريخ ذاته بحيث استطاعوا أن ينفوا عن أنفسهم صفة المحتل الأجنبي، وبذلوا جهودا أكبر حتى استطاعوا أن يسقطوا من ذاكرة أصحاب الوطن الفلسطينيين أنفسهم أنهم أصحاب أرض فلسطين «كل فلسطين» وليس خمسين أو عشرين في المئة منها.
وحتى الحروب العربية التي جرت ضد إسرائيل في 48، 67، 73، 82، 2006، لم تكن حروبا باسم الدولة الفلسطينية ولا باسم الشعب الفلسطيني، ولم تكن حروبا من أجل تحرير أرض فلسطين «كل فلسطين»، بل جميعها كانت حروب لدرء مخاطر وتهديدات دولة إسرائيل على الدول المجاورة لها.
أيضا المقاومة الفلسطينية بكافة أشكالها وبجميع فصائلها وعلى مر السنوات الستين الماضية وربما قبلها، لم تكن مقاومة ضد محتل أجنبي للأرض وسعيا لتحريرها، بل كانت أيضا ردود أفعال على سياسات وأساليب إسرائيل القمعية والإرهابية وعلى مجازرها وجرائمها الوحشية في حق الأبرياء الضعفاء من الشعب الفلسطيني، ولم يكن لمثل هذه المقاومة التي افتقدت إستراتيجية التحرير أن تثمر شيئا طيلة هذه السنين، بل بدت و كأنها اعتداءات وحركات تمردية ضد نظام دولة شرعية هي إسرائيل.
لم نسمع فصيل مقاومة فلسطينيا واحدا يرفع بوضوح وصراحة شعار تحرير دولة فلسطين من الاحتلال الإسرائيلي، و حتى أشد هذه الفصائل وأكثرها عنادا لم يرفع هذا الشعار وذهب يتخفى وراء برقع «عدم الاعتراف»، لكنه لم يجرؤ أن يقول إن عدم اعترافه هذا يعني أنه يرفض وجود دولة إسرائيل «كلها» على أرض دولة فلسطين «كلها»، بدليل أنه ظل مستعدا دائما للحوار والتفاوض والهدنة والمساومة، وحتى المشاركة في فعاليات وانتخابات كلها جاءت في إطار دولة إسرائيل وبموافقتها.
لم يحدث في تاريخ نضال الشعوب من أجل التحرير أن انقسمت المقاومة إلى مثل هذا العدد من الفصائل والجبهات والجماعات مثل المقاومة الفلسطينية، حتى باتت الأسرة الفلسطينية الواحدة يتوزع أفرادها على عدة فصائل وجبهات، فالأب فتحاوي والابن حمساوي والثاني جهادي والثالث شعبوي والرابع شيوعي والخامس تقدمي..
وهكذا، ولم تجمع مقاومة في التاريخ من المال والمساعدات مثلما جمعت المقاومة الفلسطينية، ولم تملك مقاومة من السلاح مثلما امتلك الفلسطينيون، لكن أموالهم لم تذهب للكفاح وسلاحهم لم نره إلا وهم يقتلون بعضهم بعضا أو وهم يطلقون النار في الهواء يودعون بها شهداءهم متوعدين بالثأر الذي طال انتظاره ولم يأت.
الآن في ذكرى النكبة، نتذكر إعلان دولة إسرائيل، ولكن من يتذكر دولة فلسطين التي احتلها الصهاينة، هذه الدولة التي كان العالم كله حتى منتصف السبعينات من القرن الماضي مازال يتذكرها، والآن سقطت من ذاكرة العالم بعد أن سقطت من ذاكرة أصحاب القضية أنفسهم، وإسرائيل مستمرة في جرائمها ومذابحها التي أخذت في الآونة الأخيرة طابع الإبادة والحصار لمن تبقى فيما تبقى من أرض الدولة «التي كان اسمها فلسطين».
لقد وصل فقدان الذاكرة إلى الدرجة التي أصبحنا فيها نحن العرب جميعا نسخر بشدة ممن يردد شعار «صراع وجود لا صراع حدود»، ونستهزئ بهؤلاء الذين رفعوا من قبل اللاءات الثلاثة «لا صلح، لا تفاوض،لا اعتراف بإسرائيل».
أليست هذه فعلا نكبة للذاكرة؟