لا يكاد يمر يوم دون أن نقرأ أو نسمع أو نتحدث فيه عن موضوع الهوية الوطنية، وأهمية الحفاظ على اللغة العربية التي تمثل ركنا أساسيا من أركان هويتنا الوطنية. لقد أصبح هذا الموضوع هو شغلنا الشاغل، وهاجسنا في منامنا ويقظتنا، وقد تزايد إحساسنا به في الفترة الماضية أكثر من أي وقت سابق، خصوصا مع إعلان صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، عام 2008م عاما للهوية الوطنية.
وقد كانت خطوة حكيمة جدا في ضوء الظروف الراهنة، وفي ظل الخلل الظاهر في التركيبة السكانية التي يمثل المواطنون فيها أقلية بين أغلبية تتكاثر يوما بعد يوم، من جنسيات مختلفة، ذُكر غير مرة أنها تمثل أكثر من مئتي دولة مختلفة!!
ولكننا جميعا نعلم أن هذا الوضع لن تتم معالجته في ظرف عام واحد، لأن ما يُهدم في يوم تحتاج إلى سنوات كثيرة لإعادة بنائه، فكيف بما تهدّم على مدى سنوات طويلة متواصلة؟! ربما نحتاج عمرا كاملا لإصلاحه، بل إن الأجيال قد تتعاقب مرة بعد مرة حتى يأتي الوقت الذي يعيش فيه جيل إماراتي كامل دون إحساس منغص بأي خطر يمسّ هويته الوطنية. لكن كيف سيصل الزمان إلى ذلك الجيل الموعود؟
من المؤكد أن ذلك لن يتم بمجرد الكلام على الهوية الوطنية، وأهميتها، وعقد المؤتمرات والملتقيات والندوات الفكرية للتناقش حول هذا الأمر الذي قلنا وكتبنا جميعا فيه الكثير، ولكننا نحتاج إلى القيام بأكثر من ذلك، فالإحساس بالخطر مهم، وهو إحساس فطري جُبل عليه الإنسان أيّا كان نوع الخطر، ويكفي أن تشعر بهذا الخطر قلة من الجماعة حتى تنبه البقية.
لكن الإحساس لا يجب أن يبقى مجرد إحساس، لأنه لا يوصلنا إلى نتيجة، إذ إننا نحتاج إلى أن نعرف الكثير عن هذا الخطر، وعن العواقب المحتملة له، والحلول الممكنة لمواجهته والتصدي له، والتخلص منه، وهو الدور الذي تقوم به الندوات والمحاضرات والملتقيات والمؤتمرات، إذ يتلخص دورها في الكلام على هذه الجوانب، وكشفها للجميع، من مسؤولين وأفراد، ليعرف كل منهم دوره، وليعرف كل منهم حقيقة واجبه في هذه المسألة شديدة الحساسية والأهمية.
المهم الآن هو الفعل، وهو كما ذكرت، فعل عام وجماعي، يقوم به كل فرد في المجتمع، بالإضافة إلى الجهود التي تقوم بها ـ أو ستقوم بها ـ الجهات المسؤولة بشكل مباشر أو غير مباشر عن الأمر، مثل وزارة العمل من جهة، ووزارة الثقافة من جهة أخرى، وغيرهما.
إننا لا ننكر أهمية أي جهد قُدم حتى الآن في هذا الصدد، ولكني أعتقد أن سقف طموحاتنا تجاه ما يمكن أن نفعله أعلى بكثير مما تم فعله حتى الآن. وكل ما نفعله وسنفعله في الفترة القادمة إنما سيساهم في التخفيف من الوضع بعد عدة سنوات، ولكنه لن يؤدي إلى التخلص من المشكلة نهائيا إلا بعد زمن طويل، وهذا ما يجب أن نضعه في اعتبارنا ونحن نبدأ خطوات الألف ميل تجاه هدفنا الذي يتمثل في إيجاد حل ربما لن ننعم به نحن بشكل مباشر، لكن أبناءنا والأجيال القادمة منا هي التي ستعيش نعيمه، وستحمد لنا اهتمامنا بالأمر كي تبقى محافظة على هويتها في عصر يتجه نحو العولمة بسرعة متزايدة.
إننا كأفراد نستطيع أن نفعل شيئا ـ بل أشياء ـ في سبيل المحافظة على هويتنا، ولغتنا، وثقافتنا، دون أن نلقي بمسؤولية ذلك على عاتق بعض الجهات ونخلي مسؤوليتنا تماما من الأمر. ومهما بدت لنا الإجراءات التي نستطيع القيام بها بسيطة، وغير ذات أهمية، إلا أنها لا بد أن تسهم بشكل أو بآخر في حلّ هذه الإشكالية التي نعيشها وسترافقنا لعقود قادمة أيضا بقدر لا يجب أن يُستهان به.
إننا نستطيع أن نستغني عن جيوش الخادمات اللواتي يفوق عددهن أحيانا عدد أفراد الأسرة الواحدة في منازلنا التي يندر أن يخلو واحد منها من هؤلاء الخادمات المنتميات إلى جنسيات مختلفة، وثقافات متعددة ومتباينة، وهي في معظمها تختلف اختلافا بيّنا عن ثقافتنا وعاداتنا، وتستخدم لغات أخرى في التواصل معنا ومع أبنائنا الذين أصبحوا لا يرون والديهم بقدر ما يرون الخادمات.
كذلك نستطيع أن نبدأ في تغيير نظرتنا لبعض الوظائف التي رسخ في أذهاننا منذ زمن أنها ليست «للمواطنين»، وأن المواطن يجب ألا يمارسها، لأننا ننظر إليها بدونية غير مبررة، ونظن أن ممارسة المواطن لها انتقاص من قدره.
ومع رفضي الشديد لمثل هذه النظرة، وعدم اقتناعي بوجود وظائف خاصة ـ أو لائقة ـ بالمواطنين ووظائف أخرى غير لائقة بهم، إلا أنني أدرك أن هذه النظرة لا تزال موجودة عند كثيرين منا، وبعضهم يفضل ألا يعمل إطلاقا، وأن يعيش عاطلا عن العمل، معتمدا على مصروف يأخذه من والديه، أو يستدينه من بعض الأصدقاء، في انتظار وظيفة عليا تليق به، على أن يرضى بوظيفة متاحة له، سيخدم بها بلاده، ويغنيها عن الاحتياج لشخص يأتي من خارجها يدين بغير دين أهلها.
ويرطن بغير لغتهم، ليؤدي هذه الوظيفة التي ستوفر له ـ على المستوى الشخصي ـ دخلا شهريا، وأمانا وظيفيا، وفي العموم لا يعيبها شيء، لكنها لا تليق ـ في نظره ـ بمواطن! هذه بعض الإجراءات التي يمكننا أن نقوم بها كأفراد، في نطاق المنزل أو العمل، ربما ستسهم في حلّ جزء بسيط فقط من الإشكالية الكبيرة، لكن هذا الجزء البسيط يستحق أيضا أن نهتم به، وأن نساهم في حله إن أمكننا ذلك، وإذا أدرك كل فرد منا مسؤوليته تجاه هذا الهم الوطني، وبدأ في فعل ما يستطيع فعله، فإن هذا الهم سيزول بأسرع مما نتصور، ولكن كما قال الشاعر:
متى يبلغ البنيان يوما تمامه إذا كنت تبنيه، وغيرك يهدم
جامعة الامارات