فاتني أن أكون من بين جمهور المستشار إبراهيم بوملحة وهو يلقي محاضرته المهمة مساء الأربعاء الماضي بندوة الثقافة والعلوم بدبي، وتناول فيها استعراض بحوثه حول تسمية إمارة دبي وتاريخها والمعلومات القيمة التي فتش عنها في المراجع والمعاجم وعند الرواة، لكن مع هذا لم أفوت فرصة قراءة تفاصيل وقائع تلك المحاضرة المنشورة في الصحف. في موضوع مهم ومطلوب الغوص فيه كثيراً، لأن جانباً منه يسكن الذاكرة الشفاهية.

وهي ذاكرة آيلة للتلاشي إذا لم تدون وتسجل. قد لا يكون المستشار بو ملحة أول الطارقين لهذا الجانب من تاريخ الإمارة، لكن بإبقائه باب البحث مفتوحاً فهو يعمل على تعزيز التاريخ بمزيد من الحقائق، وإبقاء التاريخ على طاولة البحث والتقصي أمر في غاية الأهمية، وما نقله عن بعض الرواة هو تسجيل مهم يحفظه من الضياع والتلاشي.

ثم كم من الناس ونحن في ظل تركيبة سكانية متعددة الثقافات ومختلطة الأجناس والأعراق، وفي ظل هوية محلية تحاول أن تطل برأسها من بين هذا الركام الهائل والكبير يلمون معلومات تشبه ما جاء به بو ملحة في محاضرته؟ وكم نحن بحاجة لفتح الحوار والإعلان عن تاريخنا وكنوز ثقافاتنا، وكم بحاجة لتأمل ذلك التاريخ وتلك الثقافة والوقوف على إجابات وأسئلة بعينها؟

جيل الشباب اليوم، جيل الإنترنت وجيل الحداثة وثقافة الاستهلاك، بحاجة إلى مثل ما قدمه بوملحة لكي يتعرفوا كثيراً على تفاصيل مكان انتمائهم، مثلما هم بحاجة لإزالة كثير من المفاهيم الخاطئة التي ترسخت نتيجة غياب البحث الحقيقي، وغياب الحوار وأنشطة التثاقف حولها.

إبقاء التاريخ والمكان حاضرين في الحوار والبحث وعمليات التثاقف اليومي حولهما يعني تماماً ربطهما بأجيال المستقبل، فكم نحن بحاجة ماسة الى معايشة تاريخنا وتعزيز الهوية من خلاله. اليوم تكتشف في البلاد مواقع أثرية لها علاقة بأصالة المكان وناسه، وفي تاريخ البلاد الكثير ما هو مشرف ويعكس كفاح الإنسان الإماراتي موزع بين إمارات الدولة وأحيائها وقلاعها وحصونها وسواحلها.

حكايات فيها بطولات وفيها تاريخ وثقافة شعب، ولدينا إرث كبير لرجال تركوا بصمات على التاريخ، لدينا ذاكرة مكان زاخرة تحتاج إلى إلقاء الضوء عليها. مثل هذه المحاضرات والمنتديات هي مناسبة جيدة لإبقائها حية وحاضرة، وهذا ما يجعلنا نرى في محاضرة المستشار بو ملحة أهمية، وهناك أسماء أيضا بإمكانها إضافة المزيد وقول المزيد. فما نؤسس به من حضارة حديثة يجب أن يبقى على الارتباط بمنشأها الأصل، ومثل تلك البحوث القيمة، ومثل تلك المحاضرة نحتاج منها الكثير لإبقاء الصوت مرتفعاً والأصالة حاضرة وحية.

mhalyan@albayan.ae