في 11 فبراير 1993 عقدت الجولة الثانية من مفاوضات أوسلو وفيها توجه يانير هيرشفيلد أستاذ التاريخ بجامعة حيفا إلى الوفد الفلسطيني بالقول إننا فهمنا منكم رسالتين.. الأولى: أنتم تريدون عملية السلام، ولكن في نهاية المطاف لن تنشأ دولة فلسطينية الآن، وإنما تترك للتطورات اللاحقة، والثانية: أنكم تتفهمون الصعوبات التي نواجهها، الأمر الذي يعني أنكم على استعداد للنزول تحت الماء ثم الصعود تدريجياً في فترة لاحقه.
تذكرت ذلك وانا أتابع اللهاث الفلسطيني غير المسبوق من أجل التوصل إلى إعلان مباديء مع الإسرائيليين قبل أن ترحل الإدارة الأميركية الحالية عن البيت الأبيض أو ما وصفته صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية بـ «اتفاق رف» يعرض كوثيقة على مجلس الأمن ويبقى تنفيذه مرهونا بخارطة الطريق.
فالعرب كما هي العادة متعجلون من أمرهم وعلى استعداد للنزول تحت الماء وفق المنطق الإسرائيلي، وهم كذلك على استعداد لحرق كل أوراق القوة التي يملكونها لمجرد إثبات جدارتهم بالجلوس على الطاولة كشركاء محادثات، فيما يتفاوض الطرف الآخر بأعصاب باردة ويخوض معركة احترافية يوظف فيها كل شيء من تعنت الليكود إلى إرهاب المستوطنين دون إقصاء لأحد أو تسفيه لشريك وطني على نحو ما درج الفلسطينيون عليه.
خمسون لقاء على الأقل عقدها أحمد قريع المفاوض الفلسطيني مع تسيبي ليفني وزيرة الخارجية الإسرائيلية بشكل سري في أرجاء القدس المحتلة متنقلين ما بين فنادق وشقق خاصة خلال شهري فبراير ومارس، أضيفت إليها عشرات اللقاءات في أبريل، ومع ذلك فإن الرئيس الفلسطيني محمود عباس أكد في مؤتمره الصحافي مع كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية في رام الله (الأحد 4 مايو) أن المتفاوضين لم يكتبوا حرفا واحدا في وثيقة حتى اللحظة.
والحقيقة أن اختيار التوقيت سيء جدا حيث الإدارة الأميركية بطة عرجاء وحيث الحكومة الإسرائيلية ضعيفة ويلاحق رئيسها بتهم فساد غير مسبوقة، كما أن الوضع الداخلي الفلسطيني يعاني شروخا تتضاعف بفيتو دولي يحول دون ترميمها، ودور عربي عاجز يسير في فلك الدول الكبرى رغم يقين العواصم العربية أن استمرار هذه الشروخ ليس فقط يقلل من احتمالات الوصول إلى تسوية مشرفة وانما ينسف هذه التسوية من أساسها، حين يضع نصف الفلسطينيين في خانة الإرهاب ويطالب النصف الآخر بالتعاون مع أطراف دولية وإسرائيلية لكسر شوكته وتحويله أثرا بعد عين.
كما أن القرار الفلسطيني مرتهن، فنصف ممثلي الشعب الفلسطيني محسوبون على محور الاعتدال بما يقبله هذا المحور من شروط لا تقبل، ونصفه الآخر محسوب على محور الممانعة وهو محور براجماتي يستخدم القضية الفلسطينية كورقة يمكنه المساومة بها (أو حتى التضحية بها) في أي وقت من أجل تسوية قضايا أخرى أكثر إلحاحا، وذلك مثلما فعل النظامان الإيراني والسوري في مرات سابقة حينما تورطا في تسويات على حساب قضايا كان البعض يعتبرها مبدئية لا يجوز النقاش (مجرد النقاش) بشأنها، وهذا يهدد بإدخال القضية المركزية للعرب في النفق اللبناني.
ورغم اننا نلعن ليل نهار اتفاقية أوسلو وما آلت إليه إلا أن الظروف الدولية والعربية والظروف داخل الأراضي المحتلة وقتها كانت كفيلة بإنضاج اتفاق أفضل ألف مرة من الوضع الحالي، فقد كانت هناك انتفاضة باسلة أدمت وجه إسرائيل وكشفتها أمام نفسها وأمام العالم ككيان يمارس الإرهاب ولا يتورع عن تكسير عظام الأطفال الذين يواجهون الدبابة بحجر.
الآن لم تعد هناك انتفاضة وتركت إسرائيل قطاع غزة واستعاضت عن الاحتلال بتوغلات يومية مباغته، وعن تكسير عظام الأطفال بالجملة باغتيالات منتقاه تحاول بها كسر اليد الطولى للمقاومة. في أوسلو كان هناك عرفات وكانت منظمة التحرير لا تزال على قيد الحياة تمد غصن الزيتون بيد وفي اليد الأخرى تحمل البندقية، الآن ترفع غصن الزيتون بيدين في مشهد أشبه بالتوسل حتى يقبل الطرف الآخر الاستسلام. كما اختفى عرفات كلاعب حاذق وتولى مكانه تيار ساداتي يؤمن بأن حروب الماضي كانت آخر الحروب وبأن 99 % من أوراق اللعبة بيد أميركا.
خلال أوسلو كانت القضية الفلسطينية لا تزال قضية أمن وطني وقومي لمصر أما اليوم فلم تعد أكثر من قضية استقرار على الحدود يرجى تحقيقه بأي ثمن لئلا تعود الجموع الجائعة فتكسر الأسوار باتجاه الأراضي المصرية باحثة عما يقيم الأود. وقت إبرام أوسلو كان الاحتلال لايزال شيئا بغيضا وغير مقبول للعربي العادي ، الآن تعود الشارع العربي على الاحتلالات بعد غزو العراق والبقاء فيه.
بل وأصبح النقاش يدور حول مخاوف اليوم التالي لانسحاب الأميركيين وما إذا كانت ستدور رحى حرب أهلية أم سيتمكن الفرقاء العراقيون من السمو على خلافاتهم وإيجاد صيغة للتشارك في الحكم. ولذلك فإنه من المنطقي الا يعول أحد على اتفاق مشرف تتمخض عنه لقاءات ليفني- أبو العلاء، كل ما في الأمر صيغة فضفاضة تحتاج عشر سنوات أخرى للتفاوض على تفاصيلها، إن الإسرائيليين ومن ورائهم الغرب يقرأون كف المستقبل ويرون أن الأوراق المرحلية هي الحل لقضم ما يعتبره الطرف العربي حقوقا ثابتة.
فما هو مرفوض اليوم يصبح مقبولا غدا.. هكذا تثبت مجريات الحوادث طوال 60 عاما هي عمر وجود إسرائيل في المنطقة، ففيما حققت الدولة الوليدة 60 انتصارا في مجالات كثيرة اكتفينا نحن بستين نكبة، فقد احترفنا النزول تحت الماء بالمفهوم الإسرائيلي، غير أننا لا نطفو ثانية.. والقادم أعظم.