في الواقع هناك عاملان حركا لدي مكامن الكتابة عن حرية الصحافة في الإمارات، أولهما حوار دار بيني وبين أحد الزملاء قبل فترة، حول أهمية حرية الصحافة، حيث أكد لي زميلي بأن الحرية ما هي إلا كلمة فارغة ولا جدوى منها خاصة في مجتمع شعبه مرتاح (على حد قوله)، وإنْ فُتح مجال أكبر للحرية ورُفعت الأسقف فسوف تنتشر الفوضى والفتنة، الكلام مازال لزميلي، فمن الأفضل إذا بقاء الأوضاع كما هي عليه، انتهى.

أما الحدث الآخر الذي فتح شهيتي للكتابة حول هذا الموضوع وتفريغ بعض الهموم، فهو الحديث الذي يدور حالياً على الساحة الصحافية في دولة الإمارات حول حرية الصحافة والتعبير عن الرأي، هذه الجبهة المهمة التي أثارها كل من د. عبدالخالق عبدالله ود. عائشة النعيمي، ومجموعة من الإعلاميين والكتاب جميعهم مشكورون على ما قاموا به، سلطت الضوء على مجموعة من القضايا الأساسية في مسيرة الصحافة الإماراتية من أهمها، أسباب تدني سقف الحرية ومن يتحمل المسؤولية في ذلك؟

هل هي المؤسسة الصحافية أم الكاتب والصحافي؟ أم جمعية الصحافيين؟ أم المجتمع؟ أم السلطة السياسية؟ أم جميعهم شركاء في تدني سقف الحرية؟ والسؤال المهم برأي هل نحن بالفعل في حاجة إلى رفع سقف الحرية الصحافية، وما الذي سنجنيه من ذلك، أم أن الحديث حول هذا الموضوع من دواعي الترف الفكري الذي تتشدق به نخبة فكرية معينة ليل نهار تطمح بأن ترفع أسقف الحرية في الصحافة المحلية إلى حد على الأقل يتناسب مع طبيعة التطور الاقتصادي والعمراني الذي تشهده الدولة.

أود أن أجيب عن هذا السؤال من منطلقين:

المنطلق الأول، حول أهمية رفع الأسقف، فالحرية في الصحافة مهمة وحرية التعبير عن الرأي كذلك مهمة عندما تكون ضمن إطار مبادئ وقيم وعادات الدولة، فهذه الحرية كفيلة بأن تخلق ما يسمى بالكتابة الناقدة والتي هي في الواقع بمثابة الكشاف الضوئي الذي يعمل على جعل الصورة واضحة، فهل من المعقول أن تلتقط صورة معينة دون أن يسلط عليها الكشاف، فالصورة ترتفع جودتها كلما كانت واضحة، وتكون سيئة كلما كانت قاتمة.

والمقالة الناقدة هي المسؤولة عن وضوح الصورة وتشخيص المشكلة أمام المجتمع وأمام المسؤولين حتى يتم اتخاذ القرار المناسب وإيجاد الحلول اللازمة، ولكن إن كانت المقالة الصحافية مقيدة ومكبلة بخطوط عريضة يجب عدم تجاوزها، فنحن هنا كأننا نصادر المهمة الأساسية التي وجدت المقالة من أجلها.

كما تبرز أهمية الكتابة الناقدة المتزنة في كونها البذرة الأولى نحو الإبداع الفكري والحضاري الذي لا بد من إيجاده في هذه المرحلة المهمة من عمر الدولة حتى نستطيع أن نواكب المنجز الاقتصادي والتنموي الذي تعيشه الدولة، فدائماً ما يلعب النقد دور المرآة، التي يرى المجتمع نفسه فيها، فيكتشف مواطن عيوبه ويحاول إصلاحها، ويرى مواطن الجمال فيحاول أن يزيد منها، فالنقد إذاً أداة سليمة وضرورة تنموية لا بد منها إذا المجتمعات بالفعل أرادت أن تتطور فكرياً وحضارياً.

ولا يهدف النقد أبداً والكلمة الحرة إلى تقويض القائم أو خلق أي مواجهة مع الجهة المنتقدة أو مع الحكومة وإنما هو مجرد وسيلة لتقديم النصح وكشف مواطن الخلل أو مواطن الجمال. كما تساهم الصحافة الحرة والنقد البناء في خلق مجتمع واع يعرف أين تقف حقوقه ومن أين تبدأ واجباته وتجعل الجميع بالتالي شركاء في تقدم وبناء الوطن.

كما تضفي الصحافة الحرة على الكاتب والصحافي المزيد من الرونق المعنوي وتبث في روحه جرعة من النشاط والحيوية وتعمل على اتقاد فكره، وتطور قلمه، وبالتالي إلى خلق جيل من المفكرين والباحثين المتميزين، أما الرقابة وكثرة الخطوط الحمراء وتدني سقف الحرية كفيلة بأن تنسف الكاتب والصحافي وتبث فيه الخمول الفكري والإحباط.

أما المنطلق الثاني، فيتمثل في مهمة الصحافة الحرة وما ستضيفه على المجتمع والناس، هل بالفعل نحن في مجتمعات الخليج بشكل عام ومجتمع دولة الإمارات بشكل خاص مجتمعات فاضلة ولا نعاني فيه من أي مشكلة بحكم إنها مجتمعات نفطية ومستوى الدخول فيها عالية.

وبالتالي تنتفي مهمة الصحافة الحرة التي تسعى إلى تجريد الحقائق لتحقيق أهداف ومنجزات معينة، أتمنى مِن مَن يتشدق بهذه الحقيقة أن يحتفظ بها لنفسه، فإذا كان هو يقيم في برج عال مصنوع من الزجاج يرى ولا يشعر بالآخرين فغيره مغمور في هم الحياة وغمها، فنحن في مجتمع نعاني من جملة من المشاكل حالنا حال المجتمعات البشرية الأخرى.

ولا يوجد مجتمع من مجتمعات العالم لا يعاني من مشكلات مهما كانت طبيعة نظامه السياسي والاجتماعي والاقتصادي، قد يكون هناك اختلاف في نوعية وطبيعة ومستوى التحديات إلا أن الجميع لديه ما يكفيه من تحديات وإن لم توجد هذه التحديات فهذا يعني أن المجتمع شبه ميت أو مجتمع جامد لا حياة فيه.

فموضوع الخلل في التركيبة السكانية الذي أصبح قضية إستراتيجية تهدد مسألة وجودنا وهويتنا مازال هذا الموضوع معلقاً، كذلك موضوع منح الجنسيات لفئة البدون وتجنيس أبناء المواطنات ومن يستحق مازال معلقاً يطرق أبواب أولياء الأمر، مازال كابوس الغلاء والتضخم الفاحش الذي يعصف بنا مازال هو الآخر هماً يؤرق منام فئة غير بسيطة في المجتمع

مازال هم توفير منزل أو شراء قطعة أرض صالحة لبناء مسكن مازال هذا كذلك غماً على قلوب فئة غير بسيطة في مجتمع الإمارات الذي يشهد نهضة عمرانية منقطعة النظير على مستوى المنطقة، مازال توطين الوظائف وتوفير فرص عمل للشباب الذي يعاني من البطالة حلماً كالسراب، مازالت المحسوبية والواسطة والقبلية تنهش في طبيعة النظام الإداري والبيروقراطي.

هذا جزء بسيط من المشكلات وهناك غيرها وغيرها الكثير، وهذا ليس عيباً في مجتمع توجد فيه مشكلات أو تحديات فهذه الأوضاع تخلقها طبيعة الحراك الاجتماعي والتطور الاقتصادي والسياسي للمجتمعات، وإنما العيب عندما تكبت الأصوات التي تريد أن تكشف الحقائق وتظهر المشكلات وتعري الواقع حتى يتمكن متخذو القرارات من إيجاد الحلول المناسبة.

يتبين مما سبق أن الصحافة الحرة والكتابة الناقدة والكلمة المسؤولة مهمة جداً سواء على صعيد تطور الصحافة نفسها أو على صعيد المجتمع، ومن يتشدق بأن الصحافة الحرة ليست ضرورة مجتمعية وإنما هي من دواعي الترف بحجة أن المجتمع لا يقرأ أو بحجة أن المجتمع (شبعان) فهو مخطئ كما بينا ذلك، فالصحافة هي السلطة الرابعة المسؤولة عن تقويم اعوجاج السلطات الثلاث، وبدونها سيمشي المجتمع على ثلاث عجلات فقط وحينها ستظهر عاهة العرج على المجتمع بشكل واضح وسافر.

كاتبة إماراتية