من مساوئ بشرية العالم المتحضر محاربة العلماء. والمحاربة لا تعني بالضرورة شن الحرب المسلحة فحسب، ولكنها قد تتمثل في أشكال مختلفة من أهمها طمس الحقائق، وعدم الاستماع لوجهة نظر الطرف الآخر، والاستهانة بآراء الغير الصائبة.

إنها تشبه ذهابك لاستشارة طبيب مختص فيحذرك بعد التحاليل من بداية أعراض إصابتك بمرض قد يتحول إلى قاتل ويستوجب التدخل الجراحي بشكل عاجل، إلا أنك تدفع فاتورتك وتذهب لتناول عشائك على أنغام الموسيقى الرومانسية وتنام قرير العين بينما المرض يستفحل في جسدك بأكمله.

منذ عقود مضت وعلماء البيئة والطبيعة والأطباء وعلماء وباحثو الجامعات والمعاهد العلمية يدقون دون توقف ناقوس الخطر الذي يهدد بقاء الكائنات الحية وعلى رأسها الكائنات البشرية على وجه الأرض.

واعتقد الكثيرون أنها مجرد نظريات مبالغ فيها ولا تقترب من الواقع، وأثارت حفيظة الدول الرأسمالية الصناعية التي قامت بمحاربتها بشتى الوسائل الممكنة لأنها ستضر بمصالحها (الاقتصادية). والمخيف في الأمر أنها ليست مجرد نظريات عامة بل نتائج حقيقية مئة بالمئة لدراسات تقوم على حقائق واقعية لا مفر منها أو عنها.

لقد يئس علماء البيئة من كثرة تنبيه العالم من أن خطر الاحتباس الحراري على سبيل المثال قد يودي بكافة أشكال الحياة على وجه الأرض. ولم يستمع أحد لتلك الصرخات بل إن بعض الدول الكبرى الصناعية قامت بمحاربتها وطمسها وإبعادها عن وسائل الإعلام.

واليوم اكتشف العالم بأن درجات الحرارة تزداد بشكل مخيف على سطح الأرض، وأن الثلوج بدأت تذوب بنسب مقلقة، مما قد يتسبب في فيضانات وارتفاع منسوب مياه البحار والمحيطات وبالتالي ابتلاع وغرق العديد من الجزر الطبيعية والصناعية، وتشريد الملايين من سكان العالم أو غرقهم وغيرها من النتائج التي يستحيل ذكرها هنا.

إلى درجة أن ظاهرة ذوبان الثلوج وصفت بالقنبلة الموقوتة. (اقرأ تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة الذي أطلق خلال الاحتفال بيوم البيئة العالمي 2007 في ترومسو ـ النرويج).

وقبل أيام برزت مخاوف حقيقية أخرى ودقت نواقيس خطر لأزمة من نوع آخر لا شك أنها مترتبة على تجاهل نصائح علماء البيئة السابقين إضافة إلى جشع الدول الصناعية في تضخيم خزينة الدولة. أزمة الغذاء. هل ضاقت المساحات الزراعية أو الصالحة للزراعة في العالم على توفير الغذاء للبشر؟

بالأمس حثت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة «المزارعين والحكومات على ضمان محصول جيد في عام 2008 من أجل تخفيف أزمة الغذاء المتصاعدة في العالم وذلك في وقت ارتفعت فيه أسعار الأرز إلى مستوى قياسي جديد». كيف برزت اليوم وبشكل مفاجئ أزمة (غذاء) إضافة إلى أزمة (المياه) السابقة؟ الحقيقة أنها لم تبرز فجأة ولكنها كصاحبنا المريض الذي تجاهل نصائح الطبيب الذي استشاره سابقاً. وعندما يصبح العلاج معقداً نبدأ في التفكير فيه جدياً.

إن الفكر المادي البحت المسيطر على عقول العالم المتحضر والصناعي بالدرجة الأولى يكمن وراء نسبة كبيرة جدا من أزمات العالم الصحية والطبيعية والبيئية والاجتماعية وحتى الثقافية منها. فلم تقم الحروب التي قتلت الملايين من البشر إلا للسيطرة على موارد الشعوب الأخرى أو لتأمين إمدادات المحروقات لمجموعة صغيرة من المصانع التي تبث الغازات السامة إلى طبقات الجو العليا.

ولم تنتشر الأوبئة والأمراض السرطانية إلا لجشع أصحاب المصانع الكبرى لصناعة مواد استهلاكية (وغالبا ما يقع ضحيتها الأطفال) تستخدم فيها الملونات والحافظات الكيميائية بكميات غير إنسانية، ولم يتسع ثقب الأوزون إلا عندما ضربت الدول الصناعية مستقبل الكرة الأرضية وصحة الإنسان بعرض الحائط مقابل أرباحها المادية.

واليوم تنقل لنا الصحف جزع الخبراء من نقص المواد الغذائية وعلى رأسها حبوب الأرز والقمح والذرة واللحوم والأسماك التي يعيش عليها أكثر من سكان الكرة الأرضية في الدول الفقيرة. فقفزت الأسعار إلى أرقام خيالية. والأسباب؟ عديدة لا تحصى لأن العالم ظل مشغولا منذ بداية الأزمة في تطوير أعقد الأسلحة المدمرة للبشر، وبتجربة هذه الأسلحة على الدول الفقيرة كفيتنام والصومال وأفغانستان والسودان والعراق الذي تجاوزت ضحايا الحرب التي شنت عليه ظلما وعدوانا المليون قتيل.

واليوم نصرخ أن الغذاء لم يعد كافيا. وأن من سيدفع هذا الثمن هم فقراء العالم وأن الأغنياء لديهم من ناطحات السحب ومن مخزون الذهب ما يكفل لهم ولأحفادهم حياة رغيدة. غير أنهم بالطبع لن يستطيعوا بأرقامهم المصرفية العملاقة من حماية أبنائهم وأحفادهم وأحفاد أحفادهم من الكوارث الطبيعية المتزايدة والقادمة أو علاجهم من الأمراض المستعصية التي تنتج بالطبع من تلويث البيئة والأغذية والذي تسببوا هم فيه بدخان مصانعهم.

كيف اكتشفنا بين ليلة وضحاها أن هناك تناميا متزايدا في الطلب على المواد الغذائية؟ لا أحد يعرف. لكن الحقيقة هي أن المواد الغذائية الأساسية تم تحويلها هي بدورها إلى وقود (يشبه وقود البترول) خاصة في الولايات المتحدة الأميركية، وتباع بأثمان باهظة لأرباب المصانع العملاقة.

وهكذا أصبح الأرز والقمح والطحين مثلا بدلا من أن تكون مواد إغاثة لحياة ملايين البشر تحولت إلى مواد قاتلة ذي حدين: حرمان الجياع منها من جهة، وتحويلها من جهة أخرى إلى محروقات طبيعية (وقود حيوي) يساهم بشكل مباشر في تلويث البيئة. أما ظاهرة «تراجع مخزونات الغذاء العالمية إلى أدنى مستوياتها» فالكل يعرف من أين خرجت. فهناك مضاربات في السوق على الأرز والقمح والذرة، وهي مواد أساسية للفقراء.

طبعا لعبت نظرية العرض والطلب دورا ذكيا في القضاء على الفقراء وبالتالي على الفقر! سوف نتخلص إذن من الفقر بأسلوب بارع. وسيبقى الأغنياء وأرباب المصانع لوحدهم في وجه الكوارث الطبيعة القادمة، ولن يجدوا الأيدي العاملة الفقيرة لبناء السدود أو إزالة مخلفات هذه الكوارث.

ماذا كشف جاك ضيوف الأمين العام لمنظمة الزراعة والأغذية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة؟: «الوضع الذي نحن فيه الآن نتاج سياسات غير مناسبة انتهجت على مدى 20 عاماً». إذن الأسباب تعود لأكثر من 20 سنة مضت؟

جيد. لكن ماذا سيأكل أطفالنا بعد 20 عاما قادمة؟ لا أحد يعرف بعد، وربما تولدت لأبنائنا قدرة مضغ الأسلحة الفتاكة والسيارات والأجهزة الالكترونية وغيرها من المواد الصلبة.... بدلا من الأرز والقمح والذرة.... إلا إذا ما ثار الفقراء ـ وهم اليوم الأكثرية الغالبة من بين سكان الكرة الأرضية ـ ومزقوا لحوم الأغنياء!

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com