من سمات الحكم الرشيد وجود علاقة ودية لا مقطوعة ولا ممنوعة ولا محجوبة بينه وبين أهل الذكر من المفكرين والخبراء والمجربين. هكذا يقول فقه النظم السياسية العاطف على الديمقراطية. ولشدة انشغالهم واحتفائهم بهذه العلاقة، يفرد بعض شراح الديمقراطية وفلاسفتها مبحثاً خاصاً بها في أدبياتهم، غالباً ما يشيرون فيه إلى فضائلها إن حضرت وإلى تبعاتها السلبية إن غابت.

موجز الأقوال في هذا الإطار أنه كلما اتكأت السلطة في قراراتها على نصائح وتقديرات أصحاب الرؤى البحثية العلمية المنزهة عن الأهواء بصنوفها ومصادرها، كانت أقرب إلى العقلانية والتبصر الحميد والنزعة الشورية الديمقراطية.

هذا على حين تؤذن مقاطعة الحكام وصناع القرار للمثقفين والمختصين بالاستبداد وانزواء التدبر الواعي في الشؤون العامة، وما يستتبع ذلك ويترتب عليه من كوارث وخسارات مبينة. تمثل هذه المقاطعة ـ بكلام آخر ـ دليلاً على شيوع نمط من أنماط النظم الشمولية أو السلطوية أو الديكتاتورية.

رب مجادل هنا بأن حاكماً ما أو نظاما ما للحكم على مدار التاريخ لم يعدم من يسدون إليه المشورة والنصح ويبصرونه بكيفية التعامل مع ما يثار بين يديه من قضايا وإشكاليات.. أي أن لكل حاكم بطانته وحاشيته ومستشاريه ووعاظه.

وهذه نقطة نظام ظاهرها صحيح لكن جوهرها فيه قولان.. ففي التفاصيل ثمة فروق شاسعة بين حاكم يصغي إلى أتباع وزبائن ومريدين، يزينون له ما يرى ويعتقد ويبررون قراراته ويشيدون بحكمته وبعد نظره؛ يصدرون الفتاوى والتقارير على قياس ما يعتمل في رأسه.. وبين حاكم تحيط به عن قرب وعن بعد قوي ورموز مماسسة وغير مماسسة، وظيفتها التدبر المعمق في الشؤون الداخلية والخارجية، واقتراح أنسب السبل والقرارات لمعالجتها.

وهناك شواهد على أن هذه القوى، بما تحويه من معرفة ودراية نظرية وتجريبية، تتباين من حيث النشأة.. فمنها ما يتأسس كوحدة إدارية استشارية بإرادة من الحاكم ذاته أو بعض مؤسسات الحكم، ومنها ما يقوم بجهود ذاتية بمعزل عن المنظومة الرسمية بقضها وقضيضها لأغراض خدمية استشارية وإرشادية طوعية أو مدفوعة الأجر.

لكن المتفق عليه أنه لكي تمارس هذه الوحدات مهامها بطلاقة ونزاهة، لابد من ضمان أوسع مساحة لها لجهة حريات البحث وجمع المعلومات والرأي. والشائع أن هذا الشرط الشارط لا يتوفر بحذافيره سوي في الديمقراطيات الغربية..

وأن هذه الديمقراطيات هي الأصل في إطلال الظاهرة بين ظهراني نظمها تحت ما أشتهر بمفهوم «مستودعات الفكر»، التي تزهو بها على عوالم الآخرين ونظمهم، لاسيما تجاه الشرق «الاستبدادي» والجنوب «المتخلف». غير أن ما ندفع به في هذا المقام هو الحاجة إلى إعادة النظر، ربما إلى حد التشكيك، في نظرية العلاقة الحميدة والتواصل الودي بين النظم الغربية وبين مستودعات أو مراكز الفكر والبحث.

تقديرنا أن السنوات القليلة الماضية شهدت نوعاً من الجفاء على هذا الصعيد، حتى ليصح الزعم بأن تقديرات هذه المستودعات ما عادت موضع استحسان ولا هي تلقي أذاناً مصغية في عواصم قيادية غربية بارزة، كواشنطن ولندن وباريس. في فبراير الماضي أصدر «معهد كارنيجي للسلام العالمي» بواشنطن تقريراً يبكت السياسة الأميركية الشرق أوسطية ويرميها بتجاهل حقائق هذه المنطقة «مما أدي إلى تفاقم النزاعات فيها».

وبعد أن يقدم للإدارة الأميركية مجموعة من التوصيات الهادفة لتعزيز هذه السياسة ينتهي إلى «ضرورة تخلي واشنطن عن أوهامها بالقدرة على خلق شرق أوسط جديد يلائم مصالحها فقط».! المعهد الذي يتبنى هذه الإرشادات لا يتبع مؤسسة الحكم الأميركية الرسمية بشكل مباشر. لكنه يكاد يتلاقى مع ما صدر عن لجنة بيكر ـ هاميلتون أواخر 2006. وعليه، فانه لو كانت هذه المؤسسة قد تعاطت جدياً ووصايا هذه اللجنة، لكان معهد كارنيجي لاحظ ذلك ولما أعاد وصاياها مجدداً بصيغ أخرى.

قبل هذين التقريرين (المثلين) ببضع سنين، حذرت مستودعات فكرية غربية مرموقة أخرى من مغبة مضي واشنطن ومحازبيها إلى منازعات وحروب غير مضمونة العواقب ولا محمودة التبعات. حدث هذا مع حالتي الحرب على أفغانستان ثم العراق. لكن تلك النواقيس ذهبت بلا أصداء في أروقة الحكم وقرارات الحكام..

الأمر الذي يعني أن جهود هذه المستودعات لم تعد قابلة للتفعيل وأن كلمتها مرشحة للإهمال، وربما كان المطلوب منها لاحقاً المصادقة على قرارات الحكام وتبييض صفحتهم وليس وقايتهم من الشطط.. تماماً كما هو الحال في الدول الموصوفة بالحكم الاستبدادي غير الرشيد. نحن والحال كذلك إزاء مشهد يعلن عن خلل في علاقة كانت مثار إعجاب لدي أدبيات السياسة وصناعة القرار. مشهد ينم عن انتكاسة في صيرورة الإدارة والحكم طبقاً لنظرية الديمقراطية الغربية وشروحها.

كاتب وأكاديمي فلسطيني