عندما شرعت في كتابة سيرتي الذاتية (التي ظهرت بعنوان: «ماذا علمتني الحياة»، (دار الشروق، القاهرة 2007) قررت ان اقتدي بالمثل الذي ضربه أبي (أحمد أمين) في كتابة سيرته الذاتية (حياتي)، وهو ألا يقول إلا الحقيقة، دون أن يقول الحقيقة كلها، وذلك اعتقاداً مني بأن لكل واحد منا أسراره التي قد يبوح ببعضها ولكنه لا يمكن (بل وليس من المفيد) ان يبوح بها كلها، ذكرت بعض أشياء مازلت أخجل منها حتى الآن، ولكن هناك بالضرورة أشياء أخرى أخجل منها ولا أستطيع ذكرها.
للشاعر المصري الشهير أحمد فؤاد نجم، كتاب جميل جداً في السيرة الذاتية (الفاجومي)، وإن كان مكتوبا باللغة العامة المصرية، وقد صدره بإهداء جميل أيضاً إلى بناته قال فيه ما معناه إنه «وإن كان لم يفعل شيئاً من شأنه أن يُشعرهن بالزهو به، فإنه أيضاً لم يفعل شيئاً من شأنه أن يشعرهن بالخجل، وأنا أستطيع أن أقول مثل هذا عن نفسي وعن معظم أفراد أسرتي، بل ومعظم أصدقائي.
ومع هذا فأنا لا أستطيع أن أذكر كل ما فعلته أو شعرت به، ولا أستطيع أن أقول كل ما أعرفه عن أفراد أسرتي وأصدقائي، لأن الصفح الكامل «ومن ثم الشعور بأنه ليس هناك ما يستوجب الشعور بالخجل» لا يأتي إلا بالفهم الكامل، ومن الذي يستطيع أن يزعم أن لديه الفهم الكامل، أو أن يغامر بأن القراء أيضاً يتوفر لديهم هذا الفهم الكامل؟
كان لابد أن أستبعد أجزاء من الحقيقة، ولو لهذا السبب وحده: أنه لا أحد مستعد للصفح الكامل، ومع هذا فقد ذكرت أشياء كثيرة مما قد لا يصفح عنه البعض، بينما أعتقد أنا أنها لا تستوجب أي خجل ولا تنطوي على أي شيء يشين صاحبها.
من هذه الأشياء ذكرت مثلاً ما حكته لي أمس من أنها وقعت في الحب وهي في سن السادسة عشرة أو السابعة عشرة، وكان الشخص المحبوب هو ابن خالها، وكان قد وقع بدوره في حبها، وتعاهدا سراً على الزواج، ولكن أمي كانت تقيم في بيت خالٍ آخر لها «إذ كانت يتيمة فقدت أبويها في سن صغيرة» فرفض هذا الخال «ولي أمرها» أن يزوجها من ابن خالها الآخر، وكان السبب أن لديه بنتين في سن الزواج، ولم تتزوجا بعد، ولم يرد أن تتزوج أمي قبلهما.
تحطمت آمال أمي وابن خالها، ولم يتم الزواج أبداً بسبب هذا الموقف القاسي، وهربت أمي من بيت وليَّ أمرها إلى القاهرة، حيث قام برعايتها قريب للأسرة حتى جاء أبي لخطبتها. وتم زواجها من أبي دون أن تكون قد رأته قبل الزواج، ودون أن يراها هو.
كما كان شائعاً في بلادنا وقتها «أوائل القرن العشرين» كان أبي رجل فكر بكل معنى الكلمة، قليل الكلام، صارماً في معاملته لزوجته وأهل بيته بتأثير البيئة التي نشأ فيها وما رآه من معاملة أبيه لأمه، لم يكن غريباً إذن أن تظل أمي تذكر ابن خالها الذي رأته وأحببته يوما ما، ورآها وأحبها وأراد أن يتزوجها بناء على ما رآه بعينيه وليس بناء على رأي خاطبة أو امرأة من الأسرة.
وكانت النتيجة أن ظلت أمي تردد على سمعي وأنا صبي صغير، ما جاء في خطاب تلقته من ابن خالها، يبوح لها فيه بحبه لها وتصميمه على الزواج منها، وقالت لي إنها كانت تقرأ الخطاب وتعيد قراءته وهي تبكي، حتى حفظت الخطاب عن ظهر قلب. ذكرت هذا في كتاب سيرتي الذاتية لأني وجدت القصة، ليست فقط حقيقية، بل وأيضاً مؤثرة وذات مغزى، فكيف استقبلت هذه القصة من القراء؟
استقبلها كثيرون بالترحيب، وذكر لي بعض القراء كم أحبوا أمي بسبب ما كتبته عنها «مما سرني سماعه بالطبع»، ولكني فوجئت في أحد الأيام بمقال في إحدى الصحف يحمل عنوان «جريمة جلال أمين»، فاستغربت بشدة، وثار في نفسي القلق مما يمكن أن أكون قد ارتكبته من جرائم دون أن أدري، فما أن قرأت السطور الأولى من المقال حتى تنفست الصعداء، وزال القلق، وحلّ محله الاستغراب وبعض الأسف، وليس أسفاً على أني كتبت ما كتبت، ولكن أسفاً من أن يكون هذا هو موقف بعض القراء من ذكر شيء طبيعي للغاية، ولا ينطوي على أي شيء يستوجب الخجل.
قال كاتب المقال إنه تسلّم رسالة من سيدة تقول إنني ارتكبت جريمة شنعاء بما ذكرته عن أمي، مما يستحق، على حد قولها، تنفيذ عقوبة الإعدام عليّ في ميدان عام، إذ كتبت أقول مثل هذا عن أمي، فالأمهات، على حد قولها، أفضل من في الوجود، وبالتالي لا يفضلن مثل هذا الذي ذكرت في كتابي «أي الوقوع في الحب».
قلت لنفسي: «إذا لم تقع الأمهات مثلما وقعت أمي في الحب قبل الزواج، فمن الذي يمكن أن يقع في الحب؟ وإذا رفضنا أن نسمع هذا القدر البسيط من الحقيقة، فما الذي نحب أن نسمعه؟ وإذا كان ذكر مثل هذه الحقيقة التي ليس لديّ أي شك في صحتها، وأجدها فضلاً عن ذلك جميلة ومؤثرة، يمكن أن يؤدي بي إلى الإعدام في ميدان عام، فما الذي يجب علينا أن نصنعه بمرتكبي شتى الجرائم كالقتل والسرقة والاحتيال؟
دفعتني هذه الواقعة إلى أن أعيد من جديد قراءة بعض كتب السيرة الذاتية الشهيرة، من هذه الوجهة من النظر، أي من زاوية قول الحقيقة أو حجبها، الصراحة أو عدمها، فأعدت القراءة في كتاب «الأيام» لطه حسين، وكتابي توفيق الحكيم «زهرة العمر» و«سجن العمر»، وكتاب لويس عوض «أوراق العمر» وكتاب ميخائيل نعيمة «سبعون»، بل واسترجعت في ذهني ما ذكره أبي وما لم يذكره في كتاب «حياتي» الذي كدت أحفظه عن ظهر قلب من كثرة ما قرأت فيه. فماذا وجدت مما قد يلقي ضوءاً جديداً على مدى استعداد كتّاب السيرة الذاتية لقول الحقيقة، ومدى استعداد الناس لقبولها؟
كاتب مصري