صرحت السيناتور هيلاري كلينتون المنافسة على ترشيح الحزب الديمقراطي للرئاسة الأميركية انه في حال وقع عدوان إيراني على إسرائيل فإنها (ستزيل إيران من الخارطة)، أما السيناتور باراك أوباما المتنافس الثاني على الترشيح فقد أكد أن رده سيكون سريعاً وحاسماً على أي دولة تهدد أي حليف للولايات المتحدة، وأشار من طرف خفي إلى أن تصريحات منافسته هيلاري كلينتون فيها شيء من المبالغة.

ومن الواضح أن تصريحات السيدة كلينتون تحمل من الخفة والغلظة ما يوحي بعدم شعورها بالمسؤولية وبإطلاق الكلام على عواهنه خاصة وأنها إن فازت بالرئاسة الأميركية ستكون رئيسة أكبر دولة مؤثرة في السياسة العالمية. ومن جهة ثانية كان جورج ماكين المرشح الجمهوري قد صرح خلال زيارته للمنطقة بأنه سيعتبر أي عدوان على إسرائيل عدواناً على الولايات المتحدة لأنها الحليف الاستراتيجي الأول لها.

درج المرشحون الأميركيون للرئاسة والرؤساء الأميركيون في مطلع ولاياتهم على تأكيد حماسهم لدعم الدولة العبرية وتبني مواقفها مهما كانت عدوانية، وإظهار تأييدهم المطلق لها دون الاهتمام بالحقوق العربية والمصالح العربية، وقد شهدنا ذلك من الرئيس نيكسون في مطلع ولايته، ونذكر دعمه لإسرائيل خلال حرب 1973، ومن الرئيس جورج بوش الأب والرئيس كلينتون، وجورج بوش الابن في مطلع ولاياتهما، ولكن الملاحظ تغير مواقف الرؤساء الأميركيين جزئياً في نهاية عهد كل منهم ومحاولتهم التخفيف من الدعم المطلق لإسرائيل وإظهار تقربهم من العرب حتى لو كان ذلك لفظياً، ونذكّر بعقد مؤتمر مدريد في عام 1991 والجهود التي بذلها الرئيس بوش الأب بهدف الوصول لاتفاق سلام بين العرب والإسرائيليين في ذلك المؤتمر.

كما نذكر جهود الرئيس كلينتون ومحاولته الوصول إلى مثل هذا الاتفاق في عقد المحادثات السورية ـ الإسرائيلية، والفلسطينية الإسرائيلية التي استمرت حتى اليوم الأخير من ولايته، وها هو الأمر يتكرر في عهد الرئيس جورج بوش الابن من خلال تصريحاته بضرورة إقامة الدولة الفلسطينية وعقده مؤتمر آنا بوليس. ومن المهم أن لا ننسى مضمون الكتاب الذي أصدره الرئيس كارتر بعد عقدين من انتهاء رئاسته، حيث أشار فيه إلى الممارسات العنصرية الإسرائيلية بشجاعة واضحة.

درج بعض المحللين والصحافيين العرب على اعتبار تأييد المرشحين والرؤساء الأميركيين المطلق في مطالع عهودهم لإسرائيل على أنه محاولات لكسب ود اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة ممثلاً بمنظمة (إيباك)، والاستفادة من الدعم المالي اليهودي القادم من أشخاص ومنظمات يهودية لحملاتهم الانتخابية وإبعاد شرور الحملات الصهيونية ضدهم أثناء رئاستهم، ولأن خشيتهم من اللوبي اليهودي تتراجع ولا يعودون في نهاية ولاياتهم يهتمون بتبرعات المنظمات اليهودية فإنهم يخففون من حدة بعض مواقفهم المؤيدة لإسرائيل ويقتربون من صحوة ضمائرهم التي كانت مضطرة للنوم.

قد تكون هذه التحليلات صحيحة ولكن من المهم قبلها أن نتذكر أن أي رئيس أميركي هو بالضرورة ممثل لبعض الاحتكارات الأميركية ومصالحها ويضع دائماً على رأس أهداف إدارته تحقيق مصالح هذه الاحتكارات التي تأخذ في اعتبارها مصالح إسرائيل دائماً ولا تهتم بالمصالح العربية، مع أن مصالح قسم كبير منها ترتبط مباشرة بالثروة العربية والسوق العربية.

ولذلك يضطر الرئيس الأميركي لمداراة هذه الاحتكارات والداعين لها فضلاً عن المنظمات الصهيونية، فموقفه في النهاية ليس موقفاً شخصياً بل موقف مصالح قائمة واستجابة لوعود سابقة خلال فترة الترشيح، وهكذا يجد الرئيس المنصرف نفسه في نهاية ولايته بحلّ جزئياً من تعهداته السابقة ومن الضغوط الشديدة عليه، ولذلك يحاول أن يكون أقرب إلى المواقف التي يراها اعتدالاً، مع أنها في الواقع لا تستحق هذه التسمية وأقصى ما يمكن أن يطلق عليها هو تعبير (الأقل تطرفاً).

قد تكون الظروف المحيطة بمعركة الترشيح وببرامج الإدارات المتعاقبة تفرض مثل هذه السياسات، ولذلك لا يأخذ الجميع في اعتباره المواقف العربية أو الخوف من سياسة عربية حذرة تجاه علاقات البلدان العربية مع الولايات المتحدة سواء منها الاقتصادية أم السياسية أم غيرها، ذلك لأن معظم المواقف العربية لا تتصدى للمطالب الأميركية حتى لو كانت جائرة، ولعل السياسات العربية حتى الآن لا تحرج الإدارة الأميركية ولا تخيفها ولا تغير الشروط المحيطة بقرارها، ولذلك يهتم الرؤساء بالضغوط القادمة من طرف واحد هو الطرف الممالئ لإسرائيل ولا يخشون ضغوطاً من الطرف العربي ولا احتمال تهديد مصالحهم في البلدان العربية التي يعتبرون طريقها آمنة وسالكة.

على أية حال إن الظروف المحيطة بالمرشح الأميركي ثم الرئيس الأميركي هي التي تؤدي لمثل هذه المواقف غير العادلة، وإن أراد العرب تغييرها فينبغي إيجاد شروط مقابلة تجعل أصحاب القرار الأميركيين يحسبون حساباً للحقوق العربية وبالتالي تكون سياساتهم أقل تطرفاً منذ بدء ولاياتهم لافي آخرها فحسب، لأن القضية ليست قضية صحوة ضمير بقدر ما هي خوف على المصالح بافتراض أن الأهواء قليلة التأثير في سياسات الدول الكبرى.

لو اقتنع المرشحون الأميركيون للرئاسة من كلا الحزبين والرؤساء الأميركيون أن مصالحهم ومصالح الجهات الداعمة لهم سوف تكون مهددة في البلدان العربية جراء مواقفهم، ولو أظهر العرب حزماً أكبر وتبنوا مواقف أكثر جدية في علاقاتهم مع الولايات المتحدة تتوازى مع استجابة سياساتها للحقوق العربية لما سمعنا مثل هذه التصريحات غير المسؤولة من المرشحين والرؤساء التي لا تنم عن وعي لطبيعة الصراع في المنطقة ولحجم المصالح الأميركية فيها.

ولاضطر المرشح أو الرئيس أن يتأنى كثيراً قبل إطلاق تصريحاته والتعبير عن مواقفه ولحاول أن يكون أقل استسلاماً لمطالب الاحتكارات ومؤسسات الضغط اليهودية والصهيونية. ولكان موقفه في بداية ولايته كما هو في نهايتها.