يبدو أن الفلسطينيين والعرب، في انتظار خيبة أمل جديدة، المخطئون فقط هم من لم يتوقعونها. الرئيس الأميركي جورج بوش، الذي يتهيأ للقيام بزيارة للمنطقة، يبدأها بالمشاركة في الاحتفالات بالذكرى الستين لقيام دولة إسرائيل، وكان عليه أن يستمع للموقفين الفلسطيني والعربي قبل بلورة ورقة إعلان نوايا بشأن العملية السياسية، هبط بسقف التوقعات إلى حد إمكانية تحديد ملامح الدولة الفلسطينية خلال ما تبقى من العام.

ها قد أعادتنا إسرائيل وأعادت المجتمع الدولي الذي أكثر من الوعود في مؤتمري أنابوليس وباريس الدوليين في العام الماضي، إلى الحدود التي أرادتها منذ البداية، حين أعلنت على لسان رئيس وزرائها أيهود أولمرت، أن من غير الممكن إنجاز اتفاق بشأن ملف المفاوضات الإسرائيلية ـ الفلسطينية يتجاوز ورقة إعلان مبادئ أو إعلان نوايا. كان من المقدر سلفاً أنه لن يكون بمقدور الولايات المتحدة التي تقود المجتمع الدولي، أن تنجز خلال سنة واحدة هي الأخيرة في عمر إدارة بوش، ما عجزت عنه إدارته والإدارات السابقة خلال خمسة عشر عاماً هي تقريباً عمر اتفاقية أوسلو التي جرى التوقيع عليها في احتفال دولي مهيب في حديقة البيت الأبيض الأميركي في سبتمبر عام 1993.

صحيح أن حكومة أولمرت تعاني من الفشل والضعف، لكن الإدارة الأميركية لا تستطيع الوقوف في وجه إسرائيل، خصوصاً عشية الانتخابات الرئاسية التي ستقع في نوفمبر من هذا العام، هذا إن كانت ـ الإدارة الأميركية ـ مقتنعة أصلاً، بممارسة قدر كاف من الضغط على إسرائيل لتسهيل التوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين يلبي الأسس التي جرى تحديدها وإعلانها في أنابوليس خلال نوفمبر العام الماضي.

فالحزبان المتنافسان الجمهوري والديمقراطي، لا يمكنهما إغضاب اللوبي اليهودي، بل إنهما كل على طريقته يسعى بأقصى ما يستطيع لشراء أصوات اليهود الأميركيين ونفوذهم، وعلى هذه الخلفية، استهلكت إسرائيل ستة أشهر من المفاوضات المتعثرة عمداً، وجهاراً نهاراً بدون أن تتوقع انتقاداً من الولايات المتحدة التي لم تفعل حتى اللحظة أياً من آليات التدخل التي تم الاتفاق عليها أيضاً.

إمعاناً في تكريس خيبة الأمل، تتبادل الولايات المتحدة مع إسرائيل الأدوار إزاء كيفية إحداث تغييرات في المنطقة لصالحهما، الأمر الذي يعزز الاستنتاجات التي تشير إلى صيف ساخن. ففي الوقت الذي كان فيه الملك عبد الله بن الحسين في واشنطن لطرح الرؤية العربية أمام الرئيس الأميركي، وتبعه في اليوم التالي الرئيس الفلسطيني محمود عباس، كانت تركيا تنقل عبر رئيس وزرائها رجب طيب أردوغان، رسالة من إسرائيل إلى سوريا، تشير إلى استعداد حكومة أولمرت لإعادة هضبة الجولان مقابل السلام. وبعد يومين من نقل الرسالة هاتفياً، قام أردوغان بزيارة خاطفة لسوريا التقى خلالها الرئيس الأسد، ليعلن بعدها أن تركيا أصبحت مؤهلة للعب دور الوسيط في قضايا العراق، والمسارين الفلسطيني والسوري مع إسرائيل.

وفي الواقع لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تقدم فيها إسرائيل مثل هذه الجزرة لسوريا، فلقد سبق لأولمرت أن امتدح الرئيس الأسد، واشترط علنياً لبدء مفاوضات التسوية، أن تتخلى سوريا عن تحالفها مع إيران، ومؤخراً أصدرت عن بعض المسؤولين الإسرائيليين تصريحات تقول بأن سوريا لا تشكل تهديداً عسكرياً لإسرائيل.

تسعى إسرائيل من وراء هذه الرسائل، إلى تحقيق هدفين رئيسيين، الأول اللعب على المسارات التفاوضية، بما يشكل ضغطاً مباشراً وقوياً على الطرف الفلسطيني المفاوض، الذي يقرأ الرسائل الإسرائيلية على أنها تحول في اهتمام حكومة أولمرت عن المسار الفلسطيني، وفي الوقت ذاته تكون إسرائيل قد أبلغت المجتمع الدولي بأنها لا تزال تسعى وراء السلام.

أما الهدف الثاني فهو التناغم والتكامل مع الدور الأميركي الساعي لفكفكة المحور الإيراني ـ السوري، وحماس وحزب الله، للاستفراد بكل من أطرافه على حدة.

بعد نقل أردوغان الرسالة الإسرائيلية لسوريا، عبّر رئيس دولة إسرائيل شمعون بيريز عن معارضته لإعادة الجولان، معللاً ذلك، بالقول إنه لا يمكن لإسرائيل أن تتخلى عن الجولان لصالح إيران، وقد فعل الشيء ذاته نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي شاؤول موفاز من واشنطن التي زارها بعد كل من الملك الأردني عبد الله والرئيس الفلسطيني محمود عباس.

ومقابل الجزرة الإسرائيلية التي لا تنطوي على أي قدر من الجدية، قامت إسرائيل قبل بضعة أشهر بقصف منشأة عسكرية في دير الزور شمال سوريا، في حين قالت الإدارة الأميركية مؤخراً إن تلك المنشأة عبارة عن مفاعل نووي تتعاون في بنائه كوريا الشمالية مع سوريا، لنصبح أمام ملف نووي جديد، يشكل ذريعة لإطلاق التهديدات، شبيهة بذريعة الملف النووي العراقي الذي اتخذته الولايات المتحدة وحلفاؤها ستاراً لغزو العراق واحتلاله.

وحتى يأخذ الاتهام الأميركي طابع المصداقية، أشارت وكالة أنباء يابانية مؤخراً، إلى مقتل نحو عشرة خبراء كوريين شماليين في الموقع الذي قامت الطائرات الإسرائيلية بقصفه شمال سوريا. هكذا تبدو ملامح الصيف القادم واضحة إلى حد كبير، خصوصاً وأن إسرائيل عبرت عن رفضها لنتائج الوساطة المصرية مع حماس في ملف التهدئة، وعمدت اعتراضها بعدوان صعب على شمال قطاع غزة يوم الاثنين الماضي، مع وصول وفود الفصائل الفلسطينية إلى القاهرة للغرض ذاته.

فبالرغم من التنازلات التي قدمتها حماس بقبولها حصر التهدئة في قطاع غزة، إلا أن وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود براك، يعتبر أن التوصل لتهدئة سابق لأوانه، فيما ترجح أوساط فلسطينية كثيرة، أن إسرائيل تحضر لعملية عسكرية واسعة ضد قطاع غزة، بعد انتهاء احتفالاتها بالذكرى الستين لتأسيسها.

خلاصة القول إن إسرائيل التي توصف حكومتها بالضعيفة، باتت أكثر قدرة على تقرير مصير المنطقة، خصوصاً مصير الفلسطينيين الذين يضعفهم انقسامهم، ويضعفهم الحصار والعدوان، والضعف والتفكك العربي، والتجاهل الدولي.

كاتب فلسطيني