شاركت قبل سنتين في دراسة حول الهوية الوطنية في الإمارات، وكان أحد أجزاء الدراسة هو الالتقاء مع مجموعات من المقيمين في الإمارات لسؤالهم حول آرائهم في عدة قضايا أردنا أن نستشف من خلالها البعد الآخر وغير المرئي من أزمة الهوية الوطنية.

في إحدى المجموعات قال مذيع هندي يعمل في إحدى الإذاعات الأجنبية منذ أكثر من عشر سنوات: «لا أعرف متى عيدكم الوطني . بينما أعرف الكثير عن الرابع من يوليو - عيد استقلال الولايات المتحدة - وأحياناً أسافر إلى أميركا لأحتفل معهم وأشهد الألعاب النارية التي لا مثيل لها.

وأذهب كل سنة أيضاً إلى مهرجان الماء في تايلاند ومهرجان الألوان في الهند». مشارك آخر من اسكتلندا يعيش في الإمارات منذ أربع سنوات، قال بأنه لا يعرف شيئاً عن الإمارات، وأنه عندما حاول التعرف إلى ثقافة البلد توجه إلى إحدى شركات السياحة التي ذهبت به مع مجموعة من الأجانب إلى الصحراء في رحلة جميلة ولكنها خاوية تماماً من معلومات عن البلد والأسوأ من ذلك أنه لم ير أحداً من أهل البلد خلال الرحلة ليضفي - على الأقل - طابعاً تراثياً عليها.

واشتكى لنا أيضاً بأنه لا يعرف أين يأخذ زملاءه الذين يأتون لزيارته من مختلف بقاع العالم، فعدا عن الشواطئ الجميلة والمراكز التجارية الرحبة فإنه لا يعرف أين يأخذهم، ليعودوا محبطين لأنهم لم يلتقوا (بالسكان الأصليين) على حد تعبيره.

فنانة هولندية قالت لنا: «بلدكم جميل ولكنه .... لقد أتيت لكي أسحر بجاذبية الشرق وأرسم لوحات تعكس هذا السحر. كل شيء هنا جميل ولكنه متوفر في كل مكان ولا أحتاج أن أقطع كل هذه المسافة لألتقي مع أناس من جميع بقاع الأرض، فزيارة قصيرة إلى باريس أو لندن تكفي. لقد أتيت لآكل الأكل الشرقي وأستمع للموسيقى الشرقية وأقرأ القصص الشرقية الساحرة التي قرأنا عنها في ألف ليلة وليلة... ولكنني لم أجد أياً من ذلك».

وقبل عدة أسابيع اختتم مؤتمر الهوية الوطنية في الإمارات، حيث أثارت أطروحات المشاركين فيه ضجة كبيرة لم يقتصر صداها على المستوى المحلي بل تعدى ذلك ليلامس هواجس الخليجيين من مثقفين ونخب. فأزمة الهوية في الخليج تكاد تكون متشابهة في مختلف أقطاره، أما أزمة (الوحدة الوطنية) في الخليج فيبدو أنها بدأت تطل برأسها لتشارك في تأزيم التركيبة السكانية وتربك جدلية المحاولات المشتتة للتغلب عليها أو حتى على مظاهرها.

ففي ندوة منتدى الهوية الوطنية الذي عقده مركز الخليج للدراسات في الشارقة في شهر مارس 2008 اتفق الحاضرون على أن للهوية عناصر ثابتة، أهمها الدين واللغة والولاء للدولة. وعناصر متغيرة أهمها اللباس والعمران. وأظن أن ما لم يطرح في تلك الندوة هو قضية الوحدة الوطنية التي تستقي استقرارها من وجود هوية وطنية بارزة الملامح ومتأصلة الجذور، فعلى ماذا يجتمع الخليجيون؟ لا يختلف شعب كل دولة خليجية على رئيسها الذي يعد أحد العناصر المهمة في توحيد أفراد المجتمع، ولكن ماذا أيضاً؟

هل يجتمع الأفراد على كيان الدولة قبل المدينة التي يعيشون فيها أو الإقليم الذي ينحدرون منه؟ هل يقدم النجدي ولاءه للمملكة على ولائه لنجد؟ وهل يقدم المواطن الاماراتي ولاءه لدولة الإمارات قبل مدينته؟ هل يمكن للشرقي أن يتولى وزارات معينة دون الغربي أو العكس؟ وهل يقبل القبلي أن يزوج ابنته أو حتى ابنه من غير القبلي؟

هذه ومضات لنبض الشارع الخليجي الذي يسعى الكثيرون لتجاهله، دون أن يعلموا بأن ارتفاع ضغط المجتمع لابد وأن يؤثر سلباً على نبضات أفراده وقد يقود إلى أزمات صحية لا نرجوها لمجتمعاتنا الخليجية.

لا يمكن أن تقف دولة خليجية وحدها في مواجهة مد التغريب الوطني الذي أصبح من الصعب ومن الخطر أيضاً تجاوزه، ويجب على دول المنطقة أن تسعى بجدية قبل فوات الأوان لإيجاد نموذج مشترك ليس بالضرورة أن يكون مثل النموذج الأوروبي، ولكن نموذج يساعد المجتمع الخليجي على تشكيل مفاهيم وحدة وطنية ورسم لوحة لهوية وطنية واحدة موجودة ملامحها منذ القدم.

فلا يمكن لدولة مثل الإمارات مثلاً أن تشغل جميع الوظائف الحيوية فيها بمواطنين فقط، فعوضاً عن أن عدد المواطنين لا يكفي، فإن هناك كفاءات ستحتاج البلد إلى سنوات طويلة لبنائها بين المواطنين، ولكنها تستطيع بالتأكيد أن تستعيض بخليجيين من أصحاب الخبرة عن الأجانب الذين لا يشتركون مع المواطن الإماراتي أو الخليجي بشيء. لا نقول هذا من باب رفض الآخر، فأهلا بكل فرد متميز وسهلاً بكل من سيضيف شيئاً مفيداً لهذه الأرض المعطاءة، ولكن الخليجيين يشتركون في معظم عناصر الهوية الوطنية والوحدة الوطنية أيضاً مما يساعد على تمازجهم بسهولة في أي دولة خليجية.

ومما يدعو للقلق أن بعض المجتمعات الخليجية أضافت إلى أزمة تركيبتها السكانية تركيبة معقدة أخرى، جديدة قديمة، سببتها بعض القنوات الفضائية والبرامج الخليجية التي عززت من النزعات القبلية وأدت بالجيل الجديد إلى الاعتزاز بالقبيلة قبل الدولة.

فبعد أن نجحت دول الخليج في تخفيف حدة هذا الشتات الذي قاد المنطقة إلى معارك طاحنة بين أبناء الأرض الواحدة لا لشيء إلا لاختلاف النسب واعتلال الحسب، عادت هذه الصورة القاتمة لتطفو على سطح مليء ببقايا سفن غرقت أو أغرقت دون أن يعلم إليها سبيل. وأعتقد بأنه إذا استمرت هذه النزعات بالاندفاع فإنها ستجعل من الوحدة الوطنية أزمة عميقة في المنطقة، وسوف تؤرق الحكومات قبل أن تفتك بالوطن وبهويته.

باحث إماراتي

moc.liamg@berah.ressay