لم يعد ممكناً التعامل مع هذا السؤال من قبيل انها صياغة صحافية مبالغ فيها لخلاف بين طرفين دوليين لإثارة اهتمام القراء، خاصة بعد اعتراف الغرب باستقلال إقليم كوسوفو الذي أعلن من طرف واحد.

ويبدو واضحاً أن إقليمي أبخازيا وآوسيتيا الجنوبية، اللذين كانا يتم التعامل معهما كإقليمين متمردين، قد تحولا لمركز أساسي في الصراع بين روسيا والناتو، ما يهدد بأن تشهد مناطق النزاع الجورجى ـ الأبخازي في أي لحظة انفجاراً عسكرياً يدخل بإقليم القوقاز في حرب دامية تهدد أمن سكان روسيا والقوقاز في آن واحد.

ومنذ أيام اتهمت وزارة الدفاع الروسية جورجيا بأنها تقوم بالأعمال الاستفزازية ضد جنود قوات حفظ السلام الروسية والمتواجدة وفق قرارات رابطة الدول المستقلة ومؤسسات الشرعية الدولية لحفظ السلام في مناطق النزاع الجورجي الأبخازي. وكان رد العسكريين الروس حازماً وحاداً، حيث أكدت وزارة الدفاع أن روسيا ستواجه كل محاولات الجانب الجورجي لاستخدام القوة من أجل تسوية النزاعات وكافة الإجراءات ضد جنود قوات حفظ السلام الروس وكذلك المواطنين الروس الموجودين في أراضي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، برد قاس ومتناسب.

لم يستبعد سفير المهمات الخاصة في وزارة الخارجية الروسية فاليري كينيايكين احتمال بدء جورجيا في أي لحظة الحرب ضد أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية بدعم من الغرب. وأضاف إن روسيا مستعدة للرد، وحتى إذا طلبت جورجيا مساعدة الناتو، وأشار إلى أنه إذا جرى فرض النزاع المسلح، فيتعين الرد حتى بالوسائل العسكرية. وإذا كان هناك من يود الاعتماد على قوى الناتو أملاً في أن يحارب جنود الحلف بجانبه، فسيجد لدى روسيا الوسائل الكفيلة بالرد على تهوره واعتقاده الواهي.

ولم يكن الرد الأميركي مقنعاً، بل بدا كمحاولة للتهرب من المسؤولية، حيث وصف نائب وزيرة الخارجية الأميركية ميتيو برايزا، المسؤول عن القوقاز وجنوب أوروبا، تصريح كينيايكين بأنه لا مبرر له، وأشار إلى عدم توفر معلومات لدى بلاده حول وجود حشود عسكرية جورجية على حدود أبخازيا. إلا أن وزارة الدفاع الروسية سارعت لتأكيد صحة معلومات السفير الروسى كينيايكين، وأفادت مصادر عسكرية روسية أن الناتو يربط ضم جورجيا وأوكرانيا إلى الحلف مع انسحاب القوات الروسية من تسخينفالي وسوخومي.

وفى ظل حملات تصعيد التوتر في مناطق النزاع الجورجى ـ الأبخازي، أعلن جيمس أباتوراي الناطق الرسمي باسم الناتو، أن كافة البلدان الأعضاء في حلف شمال الأطلسي، تطالب بانسحاب قوات حفظ السلام الروسية من منطقة النزاع الجورجي الأبخازي، دون أن يحدد هل سيتم استبدال القوات الروسية بقوات الناتو، أم ستترك المنطقة خالية دون تواجد يضمن حماية الأمن والسلم فيها. وكان واضحاً أن زحف الناتو شرقاً، والذي تأجل سياسياً، سيتم عسكرياً دون أية عقبات، بصرف النظر عن وجود الغطاء السياسي. حيث بدأ الغرب يمارس ضغوطاً على روسيا لسحب قواتها من القوقاز كخطوة أولى نحو سحبها من مختلف مناطق وسط آسيا، ومن ثمة ستتوفر الإمكانية لدخول قوات الناتو إلى هذه المناطق، وفرض حصار عسكري على الحدود الروسية.

وجاء رد موسكو على لسان الكسندر كالماكوف، النائب الأول لوزير الدفاع الروسي، الذي أعلن أنه لا توجد لدى روسيا أي نوايا لسحب قوات حفظ السلام التابعة لها في أبخازيا. خاصة أن هذه القوات متواجدة في أبخازيا بتخويل من رابطة الدول المستقلة، وستواصل تنفيذ مهماتها بصرف النظر عن الدعوات التي تصدر من مقر الناتو.

من المعروف أن مناطق إقليم القوقاز باتت تشكل أهمية حيوية للمصالح الغربية وبشكل خاص للشركات النفطية الأميركية، بعد أن تم تشييد خط أنابيب نقل النفط (تبليسى ـ باكو ـ جيهان)، باعتباره الخطوة الأولى نحو اقتحام الاحتكارات الأميركية والغربية حوض بحر قزوين للسيطرة على ثرواته النفطية. ما يعني أن الصراع على ضم جورجيا، وفرض الهيمنة الأميركية الكاملة ليس مجرد رغبة في التوسع لتأكيد سيادة ونفوذ الولايات المتحدة، وإنما هي خطوة لضم ثروات حوض بحر قزوين للسيطرة الأميركية، كما حدث في العراق.

هذه العوامل لا تستبعد إقدام الغرب على استخدام نظام ساكشفيلى في جورجيا، في عمليات عسكرية تستهدف طرد النفوذ الروسي من إقليم القوقاز، عبر إشعال فتيلة حرب شرسة ضد قيادات إقليمي أبخازيا وآوسيتيا الجنوبية، تحت عنوان استعادة أراضي الإقليمين المتمردين إلى السيادة الجورجية، ومعاقبة الانفصاليين. وسيدعم الغرب حرب ساكشفيلى المقدسة، بالرغم أنها تتعارض بشكل كامل مع مواقفه إزاء إقليم كوسوفو، حيث دعم الغرب الانفصاليين في الخروج عن السيادة الصربية، متجاهلاً التزامه بمواثيق الشرعية الدولية التي تضمن احترام وحدة وسيادة أراضى صربيا.

ولابد من القول ان إقليم القوقاز خلال الأسابيع المقبلة يمكن أن يشهد سلسلة من الصدامات العسكرية في مناطق النزاع الجورجي ـ الأبخازي، ما يدفع العديد من السياسيين والمحللين للتساؤل حول موقف موسكو من التطورات المتوقعة، وهل يمكن أن تدخل القوات الروسية في مواجهة مباشرة مع القوات الجورجية؟

إلا أنه من المستبعد أن تتورط روسيا في مواجهات مباشرة، فلديها العديد من السيناريوهات التي تمكنها من مواجهة القوات الجورجية دون التدخل المباشر، بدءاً من تسليح القوات الأبخازية وتوفير كافة التقنيات العسكرية المتطورة لها، مروراً بدعم المعارضة الجورجية التي تعمل على إسقاط ساكشفيلى، باعتبار أن الوضع الداخلي في جورجيا لا يحتمل حرباً لصالح قوات الناتو، وانتهاءً بفرض حصار سياسي وعسكري على جورجيا بالتعاون مع بلدان رابطة الدول المستقلة، التي لن تقبل بتفجير الصراعات العسكرية لحساب الغرب في المنطقة، نظراً لما سيكون لها من آثار مدمرة على حكومات هذه البلدان. إضافة لعامل أساسي، غاية في الأهمية، وهو عدم استعداد الناتو للتورط في عمليات عسكرية في إقليم القوقاز.

لابد من الاعتراف بأن زحف قوات الناتو نحو إقليم القوقاز من خلال الغطاء الجورجي لن يواجه خصماً وحيداً هو روسيا، وإنما ستتسع دائرة المعارضين له والمتضررين منه لتشمل بلدان رابطة الدول المستقلة، خاصة الدول المجاورة لجورجيا، مثل أرمينيا التي مازالت تعاني من صراعها مع أذربيجان حول إقليم كرباخ.

والأهم من ذلك هو موقف أكثر من مليون جورجي يعيشون في روسيا، ويوفرون الأموال اللازمة للحياة في جورجيا. إن قرار الحرب قد يكون سهلاً بالنسبة لقيادات سياسية أو عسكرية، ولكنه سيكون قراراً بنهاية نظام ساكشفيلى والتواجد الأميركي في القوقاز لأنه يتلاعب بمصائر دول ومقدرات الملايين من سكان الإقليم.

مركز دراسات الطاقة ــ روسيا