إدارة الرئيس الأميركي بوش حريصة في الشهور القليلة المتبقية لها في البيت الأبيض على تحقيق هدفين أساسيين من أهداف غزو العراق: الأول هو إضفاء الشرعية على الوجود العسكري الأميركي الطويل الأمد في عدد من القواعد تتوزع على أرض العراق، والثاني تمرير قانون النفط والغاز الجديد حيث ستكون للشركات الأميركية حصة الأسد في استثمار الثروة النفطية الكبيرة في العراق.

وقد ساعدت الشهادتان اللتان أدلى بهما كل من الجنرال بترايوس والسفير كروكر أمام اللجان المختصة في مجلس الشيوخ الأميركي في الثامن والتاسع من أبريل المنصرم، على خلق الأجواء داخل الولايات المتحدة لتقبل فكرة وجود أميركي طويل الأمد في العراق، ففي تقريريهما لم يضعا تصوراً لاستراتيجية انسحاب القوات الأميركية من العراق.

كما وجدت الولايات المتحدة في أكثر من جهة داخل العراق وخارجه عوامل مساعدة تعمل، بوعي أو من دونه، على خلق أجواء داخل العراق تلطف من وجودها العسكري فيه وتمنح حلفاءها مبررات للدفاع عن هذا الوجود، وهذه الجهات هي:

1. المليشيات التي لا يُعرف عددها ولا تُعرف قياداتها الحقيقية وارتباطاتها وولاءاتها، بما مارسته من أعمال قتل وسلب وسرقة وتهجير وتدمير للسلم الأهلي وإفراغ العراق من كفاءاته. وقد اختلطت في أحيان كثيرة أنشطة هذه المليشيات، التي يرفع بعضها شعار محاربة المحتل، مع أنشطة العصابات المحترفة في ارتكاب الجرائم.

2. التدخلات التخريبية والمدمرة لبعض دول الجوار في الساحة العراقية التي لم تعد خافية على أحد.

يرى كثير من العراقيين في بقاء القوات الأميركية لأمد معين محدود، ضرورة يفرضها الواقع وشرا لا بد منه لاتقاء شرور أخرى. فقد أثبتت القوات العراقية في المعارك التي دارت في البصرة مؤخراً عدم جاهزيتها لاستلام مهام الدفاع عن الوطن.

التمهيد لإضفاء الشرعية على الوجود الأميركي في العراق، بدأ بتوقيع إعلان المبادئ بين الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء العراقي عبر دائرة تلفزيونية مغلقة في نوفمبر من العام المنصرم، حيث تضمن ذلك الإعلان جميع ما له علاقة بالشأن العراقي: سياسياً ودبلوماسياً وأمنياً واقتصادياً وثقافياً وتربوياً.

ومع أن الجهات العراقية تتحدث بحذر عن اتفاقية واحدة، إلا أن الأميركيين يتحدثون عن اتفاقيتين، فقد نشرت صحيفة الواشنطن بوست أن الإدارة الأميركية تتفاوض مع الحكومة العراقية لعقد اتفاقيتين، للتعويض عن الوصاية الدولية التي فُرضت على العراق وفق البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة والتي تنتهي صلاحيتها مع نهاية هذا العام.

الاتفاقية الأولى هي «اتفاقية وضع القوات» التي تتعلق بالوضع القانوني للجيش الأميركي في العراق ومسؤولياته، أما الاتفاقية الثانية فهي ذات «إطار استراتيجي طويل الأمد» سترسي «تعاوناً في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والأمنية» حسب ما ذكرته الصحيفة المذكورة.

أما الجدول الزمني لإقرار الاتفاقية أو الاتفاقيتين فهو لا يتجاوز الحادي والثلاثين من يوليو المقبل، لتدخل أو تدخلا حيز التنفيذ مع نهاية العام الحالي ومع رئيس جديد للولايات المتحدة.

من السابق لأوانه التنبؤ بردود الفعل لدى الأطراف السياسية العراقية المختلفة حين تُعرض الاتفاقية أو الاتفاقيتان على مجلس النواب، ففي حيثياتهما ما يسيء كثيراً إلى سيادة البلد، ففيهما حرية تامة للجنود الأميركان وسماح للقوات الأميركية بالقيام بعمليات عسكرية أحادية الجانب دون استشارة الجانب العراقي، واعتقال عراقيين وحصانة من الملاحقة القانونية في العراق للمتعاقدين المدنيين مع الولايات المتحدة.

كما تتضمن إطاراً استراتيجياً طويل الأمد للوجود الأميركي في العراق، إذ لم يصدر عن أية جهة من المشاركين في العملية السياسية رفض أو تحفظ على عقد هاتين الاتفاقيتين حتى الآن. فالمفاوضات تُجرى في أجواء على درجة عالية من السرية، ولم يتسرب من مسودة الاتفاقيتين إلى وسائل الإعلام سوى القليل جداً، وهو ما ذكرناه في السطور السابقة.

ولكن من المتوقع أن تجد الحكومة معارضة شديدة من قبل التيار الصدري الذي لا يخفي موقفه المعادي لوجود قوات الاحتلال والدعوة المتكررة لرحيله، وليس من باب المصادفة أن يتزامن ما يتعرض له هذا التيار مع المفاوضات الجارية خلف الستار.

أما بالنسبة للجانب الأميركي فالاتفاقية الأولى تفرض على الولايات المتحدة التزاماً أمنياً نحو العراق، فقد ورد في إعلان المبادئ المشار إليه أن الولايات المتحدة تقدم «ضمانات أمنية والتزامات تجاه جمهورية العراق لردع أي عدوان خارجي ينتهك سيادة البلد ووحدة أراضيه ومياهه وأجواءه».

ضمانات كهذه، كما يرى الديمقراطيون، بمثابة معاهدة التزام دفاعي يتطلب مصادقة مجلس الشيوخ، وهي خطوة تسعى إدارة الرئيس بوش إلى الالتفاف عليها بالادعاء بأن من صلاحياتها عقد اتفاقية من هذا النوع، فهي على غرار الاتفاقيات العديدة التي عقدتها الولايات المتحدة مع عدد من دول العالم التي تستضيف قواعد أميركية على أراضيها.

يتضح من بعض المعلومات التي تتسرب إلى الصحافة بين الحين والآخر، حجم الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة في العراق، والأموال الضخمة التي تصرفها لبناء قواعد عسكرية أشبه بمدن صغيرة تفوق ما هو مألوف في الدول الأخرى، كما هو حال مبنى السفارة الأميركية الذي يفوق ما سواه في العالم.

وهذا في الحقيقة يتجاوز كثيراً متطلبات توفير الضمانات الأمنية للعراق كما ورد في إعلان المبادئ، ويقلل كثيراً من أهمية تصريحات السفير الأميركي في بغداد في الثامن من أبريل المنصرم، حين قال «إن الاتفاقية التي ستوقعها الولايات المتحدة والعراق، لن تتطرق إلى مسألة إقامة قاعدة أميركية دائمة في العراق».

يتبقى أن ننتظر لنرى ما إذا كان الرئيس بوش سيترك لخليفته في المكتب البيضاوي عراقاً يسوده السلم ويرفل بالديمقراطية، أم يترك له أرقاً مزمناً؟!

كاتب عراقي