أنهيت دراستي للماجستير في القانون الدولي في جامعة موسكو عام 1989 ولم يكن الاتحاد السوفييتي قد انهار بعد، و كان عليّ للالتحاق بالدكتوراه أن أدرس الفلسفة الإلحادية ضمن مساق يسمى (المادية الجدلية)، وهي مادة إجبارية وعلي أن أجتاز امتحانها لألتحق بالدكتوراه، وكما يعلم كل من درس أو اطلع على المادية الجدلية من بعيد أو قريب أنها فلسفة كارل ماركس الإلحادية التي بناها على جدلية هيغل و مادية فيورباخ وغيرهما من الفلاسفة الألمان.
وبدون الخوض في هذه الفلسفة فإن ما نريد قوله إنها لم تكن تتناول الأديان والأنبياء، لكنها كانت تناقش فكرة الخلق و الألوهية ذاتها وتعتبر المادة أساس تكوين الكون واستمراريته وأنه لا وجود لقوة خارقة فوق المادة ولا وجود لشيء فيما وراء الطبيعة، وهذا في الواقع هو جوهر غالبية مدارس فلسفة الإلحاد الشهيرة في العالم وحتى عند العرب.
لكننا فوجئنا في عصرنا الحاضر، وبالتحديد في العقود الثلاثة الماضية بظهور مدرسة جديدة في الإلحاد في عالمنا العربي يقودها بعض من دارسي الفلسفة والحاصلين فيها على درجة أكاديمية عالية، هذه المدرسة الجديدة في الإلحاد، ولا أقول في الفلسفة الإلحادية لأنها تخلو تماما من أي فلسفة، وجدناها تصب كل ما بجعبتها فقط على الدين الإسلامي دون غيره من الأديان.
رغم أن معظم أنصار هذه المدرسة من المسلمين أو المنتسبين للإسلام، ولكن حتى المسيحي منهم وجدناه لا يتناول سوى الإسلام، وانحصرت هذه المدرسة في البداية داخل قسم الفلسفة في إحدى الجامعات الأم في مصر، ولم يكن أحد يعيرها أي اهتمام، ولم يكن لها وجود في وسائل الإعلام قبل ظهور الفضائيات والمواقع الإلكترونية على شبكة الإنترنت.
وما أن زاد الترويج للتطبيع مع إسرائيل حتى وجدنا أنصار هذه المدرسة ينتشرون في الأوساط السياسية والإعلامية، ووجدنا دور نشر و مواقع إلكترونية معينة تتبنى نشر كتاباتهم وفضائيات محددة تستضيفهم بوصفهم تنويريين وإصلاحيين ودعاة سلام.
المتصفح لكتابات هؤلاء الملحدين الجدد من العرب يجد أنهم لا يناقشون فكرة الخلق والربوبية والعبودية مثلما اعتاد فلاسفة الإلحاد السابقون، بل فقط يناقشون النصوص الدينية، وبخاصة القرآن والسنة، ولا يتعرضون للتوراة والإنجيل، وبدون ذكر أسماء، فهم معروفون لأنهم معدودون على الأصابع وانحسر نشاطهم مؤخرا لأسباب سياسية مع تزايد حدة وبشاعة الجرائم الإسرائيلية واستمرارها لسنوات عدة متواصلة.
نلاحظ أن هؤلاء الملحدين الجدد يروجون لأفكارهم عن طريق اللعب والتلاعب بالكلمات دون الخوض في جوهر النصوص حتى يتفادوا الصدام مع المجتمع المتدين، فنجد أحدهم يفصل بين النص وسلطة النص أي حكمه وتطبيقه، بينما آخر يكرس كل جهوده وكتاباته من أجل أن يثبت أن الإسلام كدين ليس سوى بدعة قرشية ابتدعها بنو هاشم في قريش لأهداف اقتصادية ولتحقيق هيمنتهم وسيادتهم على العرب.
ونجده يذهب في ذلك لتبريرات ودلائل يدعي أنها من التاريخ العربي الإسلامي، ولو كانت حقيقية ما أهملها أساتذة الملحدين من الفلاسفة العرب السابقين، لكن ملحدينا الجدد اكتشفوها وأتوا بها من الإسرائيليات لتدعم فكرهم، فذهبوا يرددون أقاويل أحبار اليهود من أنه كان هناك العديد من الكعبات وليست كعبة واحدة والعديد من الأحجار السوداء وليس حجرا واحدا، وأن زمزم حفرها عبد المطلب ولم يكن لها وجود قبله، وذهبوا ينسبون آيات القرآن لنصوص لشعراء عرب سابقين على الإسلام، وغير ذلك مما احتوته صفحات الإسرائيليات.
ونحن هنا لا نناقش ما قالوه وما ادعوه في كتاباتهم، ولكن ما يلفت نظرنا في هؤلاء أنهم يجهرون بإلحادهم في الجلسات المغلقة بينما ينكرون ذلك في وسائل الإعلام وعلى شاشات الفضائيات، وقد حضرت العديد من جلساتهم المغلقة التي كانوا ينكرون فيها نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، وحتى ينكرون وجود بعض الأنبياء الذين وردوا في القرآن ويقولون أنهم لا دليل على وجودهم في التاريخ، ثم نشاهدهم على الفضائيات يبدأون حديثهم بالبسملة والصلاة والسلام على النبي وآله وصحبه وسلم.
هؤلاء الملحدون العرب الجدد لا يختلفون كثيرا عن إخوانهم من الليبراليين الجدد والمحافظين الجدد، وكل الجدد الذين لا همّ لهم الآن إلا الترويج لإسرائيل والسلام والتطبيع معها، ولا غرابة أن نجدهم جميعا على علاقات وطيدة بجمعية المؤرخين الجدد الإسرائيلية الشهيرة، هذه الجمعية التي أخذت على عاتقها في العقود الثلاثة الماضية مهمة تحريف التاريخ العربي الإسلامي.
وادعت أنها جمعية تسعى وتدعو للسلام والتقارب بين الأديان الثلاثة السماوية، وأنها تنبذ الحرب والعدوان، ولهذا نجد أنصارها من الملحدين العرب الجدد يهاجمون نصوص القرآن الداعية للجهاد وإعلاء كلمة الحق ورد العدوان ونصرة إخوانهم المسلمين.
ولا غرابة أن بعض هؤلاء الجدد من الملحدين والليبراليين والتطبيعيين العرب لا ينكر صلته وعلاقاته بجمعية المؤرخين الجدد الإسرائيلية ويجهر بذلك علنا في وسائل الإعلام العربية مدعيا أنه داعية سلام يسعى ليضع يده في يد كل من يدعو للسلام (حتى لو كان داخل إسرائيل)، لكنهم لا يتعاملون داخل إسرائيل سوى مع هذه الجمعية، على الرغم من وجود العديد من الجمعيات والمنظمات الداعية للسلام داخل إسرائيل والتي تختلف عن (المؤرخين الجدد) في أنها لا تهاجم الإسلام ولا غيره من الأديان ولا تعادي أحدا ولا تستقطب أحدا ولا تغري أحدا بمال أو شهرة أو غيرها.