على الرغم من أننا أحيينا الذكرى الأربعين لاغتيال الدكتور مارتن لوثر كينج والأسلوب الرائع الذي استطاع استخدامه في حركته لتغيير أميركا، إلا أننا تعلمنا أيضا أن العمل لم ينته بعد.
أثناء المسيرة التي جرت في ممفيس لإحياء تلك الذكرى، نشرت الصحف الحقائق المروعة للوضع في الولايات المتحدة، وهي الحقائق التي تتمثل في ارتفاع نسبة المتسربين من التعليم، والأعداد الهائلة للأميركيين من أصل أفريقي المعتقلين في السجون من دون ارتكاب جرائم لها صلة بالعنف.
لقد خسرت أميركا حرب الدكتور كينج على الفقر، وذلك من أجل الصرف على الحروب، تماما كما توقع هو قبل مقتله. فمنذ أربعين عاما كانت فيتنام، والآن ها هي حرب العراق تكلف أميركا 12 مليار دولار أميركي شهريا وأكثر من تريليون دولار إذا حسبنا إجمالي التكلفة.
ألم يحن الوقت لإجماع جديد؛ حركة جديدة نضع فيها جدول أعمال جديدا؟ يتعين علينا أن نستثمر جزءاً كبيرا من وقتنا في علاج مشكلاتنا: رعاية الأجنة والأطفال والاهتمام بمراحل ما قبل المدرسة ورعاية صحة الأطفال وضمان صغر حجم الفصول في السنوات الدراسية الأولى والاستثمار في المعلمين وإطلاق البرامج الصيفية المتميزة للشباب.
نحن على يقين من أن الاهتمام بهذه الأمور سيُجدي نفعا بشكل كبير. إن توفير الرعاية الصحية بشكل مبكر يعني نشوء جيل من الأطفال يتمتع بصحة جيدة تساعدهم على مقاومة الأمراض، ويعني كذلك أطفالا أكثر قدرة على التعلم. وتعلم الآباء ورعاية الأطفال والتركيز على تعليم ما قبل المدرسة والرعاية الطبية هي كلها عوامل تساعد على الإعداد الجيد للأطفال للمدرسة وتجعلهم أكثر قدرة على التعلم. والفصول صغيرة الحجم، لاسيما في المراحل الأولى من التعليم وفي المناطق الفقيرة، تساعد المدرسين على توجيه الاهتمام اللازم بالأطفال الذين ينشؤون في بيئة قاسية.
نحن نعلم أن تطبيق هذا النظام سيوفر الأموال. فالأطفال الأكثر صحة يوفرون ملايين الدولارات التي تنفق على علاجهم عند تقدمهم في السن. والأطفال المستعدون للتعلم والقادرون عليه يوفرون مليارات الدولارات التي تنفق على المعتقلات ومكافحة الجريمة والبطالة.
لا توجد أي معارضة سواء أكانت من المعسكر الليبرالي أو المعسكر المحافظ حيال هذه الحقائق الواردة هنا. فالمحافظون يريدون من الآباء تحمل المسؤولية، ومن ثم فإنه يتعين عليهم تأييد تعليم الآباء. ويؤمنون كذلك بقدسية الحياة، ومن ثم فإنه لا يمكنهم معارضة حصول الأطفال على رعاية صحية وتعليمية أكبر حتى يكونوا أكثر صحة.
المحافظون قلقون من وجود فئات تدّعي الفقر ولا تستحق الحصول على مميزات شبكة الرفاهية. إلا أنه لا ريب في أن الأطفال هم من يستحقون هذه الرعاية؛ فهم لا يزالون أبرياء ولا يزال لديهم القدرات التي يجب تعزيزها كي يستطيعوا الاستفادة منها وإدراك ما يصبون إليه في الحياة.
وعلى الرغم من كل هذا إلا أننا نسير في الاتجاه المعاكس. فقد تم استخدام حق النقض ضد مشروع قانون يمد مظلة الرعاية الصحية لتشمل ملايين ممن لا يتمتعون بالتأمين الصحي من الأطفال. وفيما يجري تقليص ميزانيات الولايات والمدن، فإنه يتم في الوقت نفسه فصل المدرسين من المدارس وزيادة عدد التلاميذ في الفصول، لاسيما في الأحياء الفقيرة، وتتزايد صعوبة تأمين أغذية مناسبة للأطفال وحماية الأحياء من الجرائم وأعمال العنف.
إن الولايات المتحدة متجهة إلى أوقات صعبة للغاية. فنحن نخوض حربين في أفغانستان والعراق، وفي الوقت نفسه فإننا نتحمل عبء وجود أكبر قوة عسكرية في العالم ولدينا إمبراطورية من القواعد العسكرية في مختلف بقاع الأرض.
وفي الوقت ذاته، فإن اقتصادنا يغرق، وتتصاعد معدلات البطالة لدينا، فيما لا تتزايد الأجور بمعدل زيادة الأسعار. الدولار يتهاوى، ونحن مازلنا نواصل عملية الاقتراض وبيع أصول بمعدل ملياري دولار يوميا من أجل سداد فواتير استيراد منتجات وخدمات من الخارج. عجز ميزانيتنا سيتواصل، غير أن العجز في معدلات الاستثمار يسير بشكل أسرع وذلك في الوقت الذي نبعث فيه بمزيد من الدولارات إلى الخارج لسداد ديوننا وليس للاستثمار فيما يفيد اقتصادنا.
يجب أن تكون هناك خيارات محددة. أسهل هذه الخيارات هو التخلي عن الفقراء والأطفال، وهو الخيار الذي كرس الدكتور كينج حياته لمقاومته.
لقد آن أوان الدخول في حرب جديدة من أجل حماية صغارنا. دعونا نختار الاستثمار في هؤلاء الشباب الذين سيوفرون علينا مليارات الدولار، التي ننفقها في جوانب أخرى سلبية من الحياة. إن الاستثمار في هؤلاء سيفتح آفاقا جديدة يجري تجاهلها حاليا بكل سهولة.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز» ــ خاص لـ «البيان»
