تدل متابعة أحداث كينيا وزيمبابوي، أن الدول التي كانت عصية على عملية التحول الديمقراطي قد بدأت تدخل في عملية التحول، وهو ما يعني أن العالم أصبح بصدد موجة رابعة من التحول الديمقراطي تضاف إلى الموجات الثلاث السابقة التي حددها العالم السياسي الأميركي صامويل هنتنجتون في كتابه المهم «الموجة الثالثة» حيث قصد بالموجة الأولى تلك التي جرت في دول أوروبا الغربية عقب الحرب العالمية الثانية، والثانية التي جرت في سبعينات القرن الماضي في دول الحكم العسكري الفاشية في أوروبا وعلى الأخص اليونان والبرتغال وأسبانيا.
أما الموجة الثالثة فهي تلك التي شهدها العالم كله من أوروبا الشرقية وبعض الدول الآسيوية وأخرى في أميركا اللاتينية وإفريقيا بدءا من عام 1989 وحتى عام 1993.
وكان السائد لدى المهتمين بالعالم الثالث وعمليات التحول الديمقراطي فيه أن هناك دولا وتجارب عصية على التحول لأسباب تتعلق بالبناء السياسي والاجتماعي فيها وضعف إمكانيات التدخل الخارجي من اجل فرض الديمقراطية فضلا عن أن هذه الدول تعتمد في مساعداتها الخارجية على دول خارج منظومة القيم الأوروبية خاصة الصين، وبالتالي فان الضغوط عليها من الخارج لن تجدي ولن تصبح ذات تأثير كبير.
ولكن دلت تجربة كل من كينيا وزيمبابوي أن هذا التصور ليس صحيحا وبالتالي أصبحت هناك إمكانية لدخول دول استبدادية أخرى في منظومة القيم الديمقراطية بحيث تصبح التعددية السياسية الشكلية التي تمارسها تعددية حقيقية تسمح بالتداول السلمي للسلطة. وهو ما حدث في كلا البلدين، وإذا كان التحول الديمقراطي لم يتحقق في التجربتين بصورة كاملة إلا أن ما حدث وتحقق يفتح الباب أمام بداية حقيقية للتحول الديمقراطي، يفتح آمالا بتطبيقه في دول أخرى تشهد ظروفا مماثلة لكل من كينيا وزيمبابوي.
والسؤال الواجب طرحه حول بدايات الموجة الرابعة من التحول الديمقراطي يتعلق بالأسباب التي أدت إليها، وهنا لابد من الإشارة إلى أنها حدثت في مواجهة أنظمة كان يطلق عليها مسمى أنظمة التحرر الوطني، وهذه الأنظمة على الرغم من استبداديتها ظلت ناجحة لأسباب متعددة منها أنها حققت الحد الأدنى من المتطلبات المعيشية لمواطنيها، فضلا عن أنها راعت التوازنات العرقية والاثنية في الدول التي حكمتها، حيث كان الحكم الديكتاتوري يحرص على تمثيل كافة الأعراق والاثنيات في المؤسسات الحاكمة، سواء التمثيلية أم التنفيذية، ولم يكن هذا التوازن لينجح من دون النجاح الذي تحقق على صعيد تلبية الاحتياجات الرئيسية.
وما حدث في كل من زيمبابوي وكينيا يؤكد أن خللا حدث في هذا التوازن أنهى هذه الصيغة تماما، وهذا الخلل حدث لأسباب اقتصادية حيث ارتفعت معدلات التضخم إلى مستويات كارثية في كلتا الدولتين، وهو ما أدى إلى عدم استطاعة الدولة تلبية الاحتياجات المعيشية للمواطنين، فضلا عن أن الاستمرار الطويل في الحكم للأنظمة وللأفراد زاد من معدلات الفساد الأمر الذي أوجد حالات تذمر وعدم رضا لدى قوى اجتماعية واقتصادية متعددة.
وكان ذلك معطوفا على عدم الرضاء الاثني بسبب استئثار أثنية واحدة على الاقتصاد وبالتالي أصبح الفساد مقصورا على هذه الاثنية التي عادة ما تكون حاكمة، وبسبب هذا الوضع انقلبت اثنيات كانت موالية للحكم سابقا عليه ونشأت حالة التغيير عبر الممارسة الديمقراطية، وظنت الحكومات المسيطرة أن الأساليب القديمة في التعامل مع الوضع مازالت صالحة لكنها لم تستطع عبر هذه الآليات أن توقف التذمر وان تمنع مطالب المواطنين بالمشاركة في الحكم، وكان التعامل الحكومي مع التطورات التي حدثت يؤكد أن القيادات التاريخية التي أسست تاريخ بلدان محددة مثل الرئيس الزيمبابوي روبرت موجابي أصبحت مفارقة للواقع، بما لم يعد معه التحليل السياسي فقط يكفي للتعامل مع التطورات ولكنه يتطلب أيضاً تحليل الحالة النفسية للسياسيين من اجل فهم ما يجري ومن اجل توقع التطورات المتوقعة.
وسياق الموجة الجديدة من عملية التحول الديمقراطي، وهى مازالت موجه في طور التكوين، نشأت كلها عبر عدم رضا الشعب أو فئة منه اثنية أو اجتماعية عن نتائج الانتخابات، وهو ما دفعها للتذمر والاحتجاج، وفى ظل ضعف الدول وعدم مرونة النخبة الحاكمة وعدم استطاعتها إعادة إنتاج آليات الامتصاص السابقة التي كانت تعتمد على منح مزايا اقتصادية للاثنيات المتمردة بسبب الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، اضطرت النخبة الحاكمة إلى التنازل عن جزء من هيمنتها لصالح المعارضة التي لم تستطع أن تحصل على الحكم كاملا على الرغم من أحقيتها فيه بسبب التعقيدات السياسية والاجتماعية في هذه الدول.
إن ما شهده العالم في الفترة السابقة وعلى الأخص في دول افريقية محددة كان يمثل في السابق نموذجا محددا للحكم، يؤكد أن هناك موجه رابعة جديدة من عملية التحول الديمقراطي مازالت في طور التأسيس، والذي سيحدد اتجاهاتها هو ماسوف تحصل عليه المعارضة في كل من كينيا وزيمبابوي، ونعتقد أن الاستحقاقات الانتخابية المتوقعة في أكثر بلد يمكن أن تعطي زخما لهذه الموجة أو تحدد مسارها أو تؤسس توجهاتها، فما تم هو بدء تدشين هذه الموجة التي من الواضح أن البنية الأساسية لها قد نضجت بالفعل.