تعارف الجمهور على أن المفتاح كأداة طالما دل على السيادة وعلى الاستحواذ على الأمر، وأيضا يدل على التقدير الذي وصل إليه الشخص لأنه يحمل مفتاحا يظل في عهدته يؤتمن عليه ويحفظه من الضياع، ويعكس بذلك نزاهته وأمانته وبالتالي علو مكانته.
وجرت بعض بروتوكولات الدول على إهداء مفاتيح المدن العريقة للشخصيات الاعتبارية المهمة كنوع من أنواع التكريم، مثل مفتاح فاس الشهير الذي يعبر عن العراقة نظرا لعراقة مدينة فاس نفسها وشهرتها من الناحية الأثرية والعلمية، حيث احتضنت أول جامعة في العالم والتي تم إنشاؤها عام 860 ميلادية، ويقال إن أول مفتاح في التاريخ عثر عليه في العراق، ويعود إلى الحضارة الآشورية العظيمة التي عرف عنها اهتمامها بالمعرفة والأدب والثقافة، فقد بنيت في هذه الحقبة أهم مكتبة عرفها التاريخ وسميت باسم القائد آشور بانيبال.
أما بالنسبة لأشهر المفاتيح في التاريخ الإسلامي، فهي مفاتيح بيت المقدس التي تسلمها الخليفة عمر بن الخطاب، ومعها أعطى أمير المؤمنين أهل ايلياء «أمانا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم سقيمها وبريئها وسائر ملتها، وأن لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حيزها، ولا من صلبهم، ولا من شيء من أموالهم ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بايلياء معهم أحد من اليهود، وعلى أهل ايلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن، وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص، فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن وعليه مثل ما على أهل ايلياء من الجزية، ومن أحب من أهل ايلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بيعهم وصلبهم، فإنهم آمنون على أنفسهم حتى يبلغوا مأمنهم، ومن كان بها من أهل الأرض فمن شاء منهم قعد وعليه مثل ما على أهل ايلياء من الجزية.
ومن شاء سار مع الروم ومن شاء رجع إلى أهله، لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم، وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين، إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية»، وهي ما تعرف «بالعهدة العمرية» التي اعتبرت واحدة من أهم الوثائق في تاريخ القدس وفلسطين.
وأما المفاتيح التي سلمها أبو عبد الله الصغير لكل من فرديناند وإيزابيلا، فقد أعلنت عن حدث إسلامي تاريخي آخر ولكنه ارتبط بمشاعر الخزي والعار، فقد أعلنت عن سقوط الأندلس في أيدي الأسبان وضياع قرون من الفردوس الإسلامي في بلاد الأندلس، وقد حمل كثير من المهجرين بعد سقوط غرناطة الشهير مفاتيح دورهم، وكان أحدهم يجمع أولاده حين يشعر بدنو أجله، فيسلمهم مفتاح الدار التي غادروها في الأندلس، ويستحلفهم بالله أن يعملوا بجد وإخلاص على استعادة الدار، ويسلم الأولاد للأحفاد هذا الميراث، جيلاً بعد جيل. ويتكرر هذا المشهد بعد قرون عدة حين يحمل أبناء فلسطين مفاتيح دورهم مرة أخرى، مستعيدين ذكريات الخروج المخزي من الأندلس إلى الخروج المدمر من فلسطين، وأصبحت هذه المفاتيح بمثابة الأمل في إمكانية العودة في يوم ما.
ولعل كلمة «مفتاح» تستعمل هذه الأيام للدلالة على الشفرة التي تسمح بالاتصال بين الدول وتفتح المجال للدخول إلى شبكة الاتصالات الداخلية لدولة ما، وهي في حقيقة الأمر مفاتيح رمزية ولكن هذه الرمزية تدل على أن هناك قفلا ومفتاحا ولا يمكن اختراق نطاق هذا المكان أو ذاك دون أن نقوم بالاستئذان، كما تدل على أن وجود المفتاح في حوزة امرئ ما يدل على استحواذه على مصير المكان أو الشيء الذي يملك مفتاحه، وهذا ما حدث حين تسلم السلطان العثماني سليم الأول مفاتيح الكعبة المشرفة والروضة المطهرة من شريف مكة بركات الثاني الذي أدخل الحجاز في حوزة العثمانيين.
وتعد مفاتيح الكعبة المشرفة من أشهر المفاتيح في حياة المسلم لأهميتها وعمقها الروحاني، ولمفاتيح الكعبة قصة، فبعد فتح مكة وموقف الرسول العظيم من العفو عن كفار مكة، في هذه الأثناء ذهب سيدنا علي كرم الله وجهة ليأتي بمفاتيح الكعبة من عثمان بن طلحة، وكان عثمان ما زال كافرا ومعه مفاتيح الكعبة الشريفة.
وقال علي لعثمان اعطني المفاتيح، فقال له عثمان لا أسلمها لأحد لأني ورثتها من أبي وأجدادي، فأخذها علي من عثمان عنوة وجبرا وقهرا وسلمها للحبيب محمد صلي الله عليه وسلم، وإذا بجبريل ينزل على الرسول الكريم بقوله تعالي «إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا»، فعرف الرسول أن المقصود هو مفاتيح الكعبة فتمت إعادتها إلى عثمان بن طلحة وقال له الرسول عليه الصلاة والسلام «يا عثمان بن طلحة المفاتيح معك ومع ذريتك من بعدك إلى يوم القيامة».
ومن المؤلم أن تتبدد هذه الثروة العظيمة التي ورثها آل طلحة اليوم، لتسكن كثيرا من المتاحف في الدول، ليتحول واحد منها إلى جزء من الممتلكات الشخصية.. والبقية تأتي.
مريم سالم
كاتبة إماراتية