ربما تمثل التصريحات التي أدلت بها إسراء عبد الفتاح «فتاة الفيس بوك المصرية» بعد الإفراج عنها، صدمة للكثيرين الذين علقوا آمالا ضخمة على النضال الإلكتروني لإحداث تغيير، فقد لعبت خمر الاحتجاجات الواسعة بعد طول سكون بأدمغة الكثيرين، بعضهم قارن إسراء بالأميرة ذات الهمة، وآخرون وضعوها في منزلة جان دارك أو جميلة بوحيرد وجميلة بوعزة، لكن الكلمات التلقائية التي خرجت من فم إسراء لحظة إطلاقها مرغت كل تلك الآمال في الوحل، إذ وجد الناس أنفسهم أمام شخصية بسيطة تقبل ظهر يدها وباطنها وتحمد خالقها أنها لم تفقد عذريتها خلال فترة اعتقالها، ويبدو أن ذلك هو هاجسها الأكبر ربما لأن أحدا هددها فخشيت أن يتحول التهديد إلى واقع.
طراوة العود هذه تمثل أمرا طبيعيا ـ ورغم كونها شرا لمن أراد سلوك طريق نضال طويلة إلا أنها أهون الشرور ـ إذ إن التربية السياسية التي تتيحها الأحزاب والتيارات، سواء كانت تعمل في السر أو العلن، تقود في النهاية إلى تكوين كادر لديه قدر من الصلابة يعينه على تحمل مرارات الاعتقال وما يتبعه من أذى نفسي وجسدي، ويزوده بخبرات تعينه على الاحتفاظ بمعنويات عالية تحت أقسى صنوف القهر، وذلك ما يمنعه من الانهيار والإحساس بالضآلة أمام مستجوبيه أو الوقوع في غرام جلاديه.
ومهما كانت الظروف فإن الخبرات المعاشة التي تتولد عن الممارسة والاحتكاك بمن خاضوا تجارب الاعتقال، ليست كالجلوس أمام جهاز كمبيوتر في غرفة مغلقة لا يعد الإنسان فيها نفسه لتحمل صعاب، إذ يتخيل أنه بعيد عنها أصلا وأن أحدا لن يستدل عليه.
أما الشرور الأخرى للنضال الإلكتروني فهي كثيرة.. ففي النضال المباشر يمكنك أن تعرف هويات الأشخاص وخلفياتهم ودوافعهم، ومن ثم يقرر المجموع ما إذا كانت منزلة الشخص تتيح الاستماع إلى مقترحاته أو إهمالها.. أما في النضال الافتراضي فمن الصعب أن يستدل أحد على أحد، فالجميع مجاهيل بالنسبة لبعضهم البعض.
في الواقع المعاش هناك مندسون وسط الحركات والتيارات يعملون لصالح أجهزة أمنية، ورغم انكشافهم يتعامل معهم الجميع ويستغلونهم لجس نبض أو إرسال رسائل أو حتى تضليل الجهة التي دستهم، أما في الواقع الافتراضي فهؤلاء رغم وجودهم بكثرة، فلا أحد يعرفهم، فقبل أسابيع أنشأت الخارجية الأميركية وحدة للدخول على ساحات النقاش والبرامج المفتوحة لترويج وجهات نظر أميركا وتحسين صورتها، وحتى قبل إعلان ذلك كان يمكن لأصحاب الفطنة أن يستشفوا حدوثه من خلال متابعة البرامج المفتوحة لمشاركة المستمعين، خاصة في قناة الجزيرة والمحطة المسموعة والمرئية للـ «بي بي سي»، إذ إن طبيعة المناقشات كانت تشي بأن متعاونين، ليس فقط مع الأجهزة الأميركية وإنما مع الأجهزة الإسرائيلية، مكلفون بالمداخلات وتوجيه مسار الحوار.
وشيء كهذا يذكي المخاوف من أن يتمكن أجانب من ركوب موجات غضب محلية، ويوجهونها حسب مصالح من يدفع لهم.
بالطبع لا يعني ذلك نسف فكرة استخدام وسائل الاتصال الحديثة في صياغة مواقف جماهيرية، فذلك انطلق من عقاله وانتهى الأمر، لكن لكي تحصن المعارضات نفسها من الوقوع في مصايد أجهزة استخبارات معادية، أو حركات لا تعرف مراميها، أو هواة إحداث اضطرابات، ينبغي أن تكون الوسائل الحديثة حلقة تكمل النضال المباشر معروف المصادر والاتجاهات وليست بديلا عنه.
ما أسهل أن تبدأ شرارات الغضب، لكن القدرة على التحكم فيها هو ما يثبت أولا رشد حركات الاحتجاج وثانيا وطنيتها، فالناس ينتفضون عادة لأنهم يحسون أنهم يستحقون حكما أفضل من القائم، وليس رغبة في حرق الممتلكات وتدميرها لمجرد التنفيس عن الغضب، فالمتظاهر الوطني احرص من السلطة التي يتظاهر ضدها على صون مقدرات بلاده، أو يفترض أن يكون هكذا.