أجرى رئيس الحكومة الياباني ياسو فوكودا مباحثات مطولة مع كل من الرئيس بوتين والرئيس الجديد المنتخب ميدفيدف، خلال زيارته إلى موسكو، والتي جاءت ضمن جولة كان يفترض أن تتضمن زيارات إلى عواصم أوروبا الغربية، إلا أن رئيس الوزراء الياباني اختصر جولته لتقتصر على موسكو، بسبب عاصفة سياسية تجتاح العاصمة اليابانية، ولعل هذا الأمر يعبر عن أهمية العلاقات بين موسكو وطوكيو من وجهة نظر الحكومة اليابانية.

وبالرغم من أن المباحثات كانت متنوعة، وتناولت ملفات مختلفة بدءا من تغير المناخ وانتهاء بأمن منطقة الشرق والتحضير لقمة مجموعة الدول الثماني الكبرى التي ستعقد في مدينة هوكايدو اليابانية، إلا أن ملف جزر كوريل الجنوبية ومعاهدة السلام بين البلدين التي لم توقع منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية قد سيطرا على الحيز الأساسي في هذا اللقاء.

من المعروف أن قضية جزر الكوريل الجنوبية تشكل العقبة الأساسية التي تحول دون توقيع معاهدة السلام بين البلدين، التي لن تقتصر على ترسيم الحدود، وإنما تتضمن إنهاء حالة الحرب بين روسيا واليابان عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية. وكان الرئيس بوتين قد وجه في وقت سابق رسالة إلى رئيس الوزراء الياباني ياسو فوكودا دعاه فيها إلى جولة جديدة من المباحثات بشأن قضية جزر كوريل باعتبارها العقبة الوحيدة أمام عقد معاهدة سلام بين البلدين.

وهو ما يطرح تساؤل حول كيفية وإمكانية حل هذا الخلاف، في ظل إصرار اليابان على ضم هذه الجزر إلى السيادة اليابانية باعتبارها أراضي يابانية احتلتها روسيا خلال الحرب العالمية الثانية، بينما تؤكد موسكو أن جزر الكوريل أراضٍ روسية. أكثر من هذا صادقت الحكومة منذ عامين على خطط اقتصادية تستهدف تحسين مستوى معيشة السكن وتطوير اقتصاد الإقليم. وسيؤدي برنامج تطوير جزر الكوريل لزيادة تعداد سكان المنطقة في عام 2015 ، ليصبح 30 ألف نسمة، وذلك بسبب توفير فرص العمل المجزية.

وسيحقق البرنامج نمواً في حجم الصناعات وزيادة في متوسط دخل الفرد تصل إلى أكثر من الضعفين. وقد تم تخصيص 630 مليون دولار لتنفيذ برنامج تنمية جزر الكوريل 2007-2015. وستحصل جزر الكوريل سنويا على ميزانية من الحكومة تقدر بحوالي 70 مليون دولار، مما يعني تخصيص 12 ألف دولار لكل مواطن من سكان الجزر، بهدف تطوير اقتصاد المنطقة وتحسين ظروف السكان، وتزيد هذه الميزانية عما قررت السلطات اليابانية تخصيصه لجزر الكوريل في حال استعادة سيادتها عليها بحوالي 40%.

هذا الوضع دفع للتساؤل عن ماهية الحلول التي يمكن أن تقترحها روسيا على اليابان، رفضت طوكيو المقترحات الروسية بتمكين اليابان من توظيف استثمارات فيها والتحرك بحرية في الجزر بالتنسيق في إدارة شؤونها مع الجانب الروسي، مع الحفاظ على جزر الكوريل ضمن السيادة الروسية. ولعل هذا الواقع يكشف عن نية روسيا تأجيل هذا الملف الذي يشكل عقبة أمام تطوير صلات التعاون مع أحد أهم القوى السياسية والاقتصادية في شرق آسيا.

ومن المعروف أن البيان المشترك، الذي أصدره الاتحاد السوفييتي واليابان عام 1956 قد نص على إنهاء حالة الحرب.وتم استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، ووافق الاتحاد السوفييتي على انضمام اليابان إلى منظمة الأمم المتحدة. ولم يبق غير حل مسألة تعيين الحدود.

واقترح الزعيم السوفييتي حينذاك خروشوف تسليم اليابانيين جزيرتين من جزر الكوريل لكي يطردوا بدورهم الأميركيين من جزيرة اوكيناوا.غير أن الأميركيين أفهموا اليابانيين أن اليابان لن تحصل على اوكيناوا إذا تسلمت هاتين الجزيرتين، ووجه وزير الخارجية الأميركي دالاس في حينه تحذيرا إلى طوكيو أكد فيه أن الولايات المتحدة ستظل تحتل جزيرة أوكيناوا ومجموعة جزر روكو إلى الأبد في حال وافقت اليابان على الاعتراف بالسيادة السوفيتية على جزر الكوريل.

وتم استئناف المفاوضات خلال عهد رئيس الاتحاد السوفييتي ميخائيل جورباتشوف، الذي أكد خلال زيارته إلى طوكيو على ضرورة التوصل إلى معاهدة السلام، معتبراً أنها ستكون وثيقة التسوية النهائية لمرحلة ما بعد الحرب بما في ذلك حل قضية جزر الكوريل الجنوبية.وخلال زيارته عام 1993 دعا الرئيس الراحل بوريس يلتسين إلى متابعة المفاوضات بهدف التوصل إلى توقيع عاجل لمعاهدة السلام وحل مسألة الجزر. وفى عام 1997 عبر إعلان رئيس الحكومة اليابانية روتارو هاشيموتو عن نهج جديد تجاه روسيا يعتمد على الثقة والمنفعة المتبادلة والتعاون الطويل الأمد، عن أمكانية التوصل لتسوية، وعن رغبة وحرص الطرفين على تحقيق ذلك.

وعقب تولي بوتين لمنصب الرئاسة في بداية القرن الحالي، وخلال زيارة قام بها لليابان أعلن أن روسيا تعترف بوجود مشكلة الجزر ولكن لا يمكن أن يدور الحديث عن إعادتها إلى اليابان. ما اعتبره البعض إعادة الحوار لتسوية الأزمة إلى نقطة الصفر. وعلى مدار السنوات الماضية فشلت كافة المقترحات حول التعاون والتنسيق بين البلدين في إدارة جزر الكوريل بشكل مشترك مع الإبقاء عليهم ضمن السيادة الروسية. وزاد من هوة الخلاف تعاون اليابان مع الولايات المتحدة في مشروع نشر درع صاروخي على الأراضي اليابانية، بررته طوكيو بقلقها من نوايا كوريا الشمالية التي أجرت آنذاك تجارب نووية.

ولابد من القول بأن عدم التوصل إلى تسوية تتعلق بمعاهدة السلام وجزر الكوريل، يعيق كافة الخطط لتنفيذ المشاريع الكبرى المشتركة والاستثمارات اليابانية الضخمة في الاقتصاد الروسي.حيث أعلنت مصادر يابانية رسمية أن حل نزاع الجزر سيفتح الباب أمام مختلف المشروعات الاستثمارية اليابانية إلى روسيا، والتي ستمكن موسكو من تطوير أقاليم الشرق الأقصى، وستحقق إفادة لليابان من صناعة النفط الروسية وتقلل اعتمادها على الشرق الأوسط في سد احتياجاتها من الطاقة.

ويبدو أن الوضع القائم يدفع نحو التوصل إلى قناعة لدى الجانبين بأنه لا يمكن ربط تطوير علاقات التعاون بتوقيع معاهدة السلام بين البلدين، خاصة بعد أن تبلورت هذه العلاقات على أساس البيان السوفييتي ـ الياباني عام 1956، الذي نص على إنهاء حالة الحرب، كما أن اليابان لم توقع اتفاقية سلام مع الصين وكوريا حتى الآن، ولا داعي أن تسبق روسيا جيران اليابان الآسيويين.

معهد دراسات الطاقة الروسي