«نحن نعرف ماذا تريد سوريا، وهي تعرف ماذا نريد»، هذه هي المعادلة التي قام عليها اقتراح رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت للدخول في مفاوضات سلام جادة مع سوريا.
وأيا كانت الطريقة التي سوف يقترحها الجانبان لإجراء تلك المفاوضات، التي تختلف بالتأكيد عن المفاوضات المباشرة التي تمت بين الجانب المصري والإسرائيلي بخصوص سيناء، إلا أن الأجواء الحالية تشير إلى بداية انفراج لأزمة الشد والجذب بين الطرفين السوري والإسرائيلي منذ آخر حرب شهدتها المنطقة بين العدوين اللدودين منذ عقود مضت.
إننا لسنا هنا بصدد البحث عن وجود أو عدم وجود محادثات أو لقاءات أو مشاورات سرية بينهما. فهذا أمر طبيعي. المهم أن هناك تحركا على مستويين: على مستوى المنطقة والمستوى الدولي لوضع حل للصراع العربي الإسرائيلي. ولكن بشروط غربية.
فمن جهة وجدت إسرائيل نفسها في وضع حرج أمام تطورات الأحداث في المنطقة، ومن جهة أخرى اكتفت سوريا من الشعارات الرنانة منذ حرب يونيو وترغب اليوم في استعادة الجولان والاستقرار، والاستفادة من التطور الاقتصادي العالمي، وعدم الوقوف في وجه التيارات الدولية النشطة التي قد تدفعها للخلف وإلى ما لا تحمد عقباه.
لكن لماذا الآن ولماذا إسرائيل؟ ولماذا هذه القنبلة التي فجرها أولمرت عن طريق الوسيط التركي؟
لقد رفضت إسرائيل رفضاً قاطعاً طوال سنين احتلال مرتفعات الجولان التنازل عن شبر منها. فهي بمثابة أبراج مراقبة استراتيجية لا غنى لها عنها، في زمن أصبحت مراقبة ما يجري على سطح الأرض وفي حدود تبلغ أقل من مساحة قدم مربع تتم من خلال أدق وأعقد الأقمار الصناعية التي تدور على رؤوسنا ونحن نيام، لكنها ترى في هذه الهضبات جزءا لا يتجزأ من أرض الميعاد وورقة ضغط دائمة.
فالتنازل عن هضبة الجولان ـ إن حصل ـ مقابل السلام مع سوريا سيكون أكثر مرارة من التنازل عن صحراء سيناء مقابل السلام مع مصر. فخطورة الحدود الشرقية والشمالية لإسرائيل مع سوريا والعراق وإيران والأردن ولبنان تمثل أضعاف خطورة الحدود الغربية مع مصر. ولكن لكل سلام مع العرب ثمنه الغالي.
لقد اشتدت الضغوط على إسرائيل بعد حرب لبنان وخروجها مهزومة نفسيا وعسكريا وسياسيا في أعين الشعب اليهودي وفي نظر الرأي العام العالمي. وربما كانت تلك الحرب مؤشرا واضحا بأن الدفاع عن أمن الشعب الإسرائيلي وبقاء دولة إسرائيل لا يمكن بأي شكل من الأشكال تحقيقه من خلال استخدام القوة العسكرية. والتهديدات الأخيرة التي أطلقتها إسرائيل بنية شن حرب أخرى على لبنان وعلى حزب الله والتي قد تطال حليفة هذا الأخير سوريا، ليست سوى تهيئة مناخ متوتر وضغط نفسي لعقد صفقة سلام مريحة جدا.
الحسابات السياسية والنفسية والاقتصادية والمستقبلية (والمائية) للخبراء الإسرائيليين ربما ترجح التنازل قبل أن تنقلب المعادلة لغير صالحهم، كما حدث للعرب قبل أكثر من ستين عاما.
فإسرائيل اكتشفت أخيراً بأن دوام الحال من المحال، ومثال على ذلك ما وصلت إليه الأمور في دولة كالولايات المتحدة الأميركية في حجم قارة إلى ما هي عليه الآن من تآكل اقتصادها الداخلي وضعف نفوذها العالمي، وفشلها العسكري في العراق أمام حفنة من المقاومين، فكيف بدويلة كإسرائيل؟ إن إعلان ضربها المفاعل النووي السوري لا يبشر بخير. لأن مجرد تفكير سوريا بامتلاك سلاح نووي بدأ يقلق إسرائيل أكثر من أي شيء آخر.
فالمحاولة التي فشلت اليوم قد تصيب غدا. كما أن استمرار إيران وهي على بعد أمتار منها في تطوير قدراتها النووية والتي يبدو أنها وصلت إلى مراحل متقدمة يصعب فيها إيقافها، أصبحت تمثل هاجسا لهذه الدولة الصغيرة التي بالكاد تحتفل هذه السنة بمرور ستين عاما على قيامها.
وإذا صحت التقارير بأن القاعدة جعلت من الرافدين مركزاً لعملياتها القادمة في المنطقة، وأنها ربما توفر لنفسها السلاح من إيران ومن جهات أخرى، وأن حزب الله ما زال يتمتع بنفس قدراته القتالية السابقة، فإن الأمور والأوضاع الحالية لا تبشر بمستقبل آمن. لقد تعلمت إسرائيل من العرب - بعد أن فقدت بريق الدولة التي لا تقهر - أنه خير لها أن تتنازل اليوم عن بضعة كيلومترات من أن تضطر بعد عقد من الزمن إلى التنازل عن أضعاف هذه المساحة. كما أن إسرائيل رغم ضغوطها على حماس، تعلم حق اليقين بأن مستقبل الفلسطينيين في النهاية سيمسك به قادة حماس.
كل الجوانب تدعو إسرائيل إلى التفكير بشكل جدي وعملي وليس خيالياً وعاطفياً مع الوضع القائم والذي لا مفر منه. فهي إن أمنت لنفسها خضوع وصمت الأنظمة العربية الحاكمة، إلا أنها لم تستطع بعد أن تؤمن شر الشعوب العربية القادمة، خاصة بعد تدهور مكانة الولايات المتحدة الأميركية عالميا وتهديد وصول شخصية كشخصية أوباما ذي الأصول الأفريقية المسلمة إلى الحكم.
بالطبع إسرائيل تخطط بضرب أكثر من أسد بحجر واحد. فالسلام مع سوريا سيكون مشروطاً. وأول هذه الشروط خروجها من وعلى محور الشر. أي بكلمة أخرى، التخلي أولا عن حلفائها المرهبين: الجمهورية الإسلامية في إيران وحزب الله في لبنان وحماس في فلسطين.
بعدها سيكون الأمر سهلاً للولايات المتحدة الأميركية لتصفية حسابها مع إيران من جهة وإسرائيل مع حزب الله وحماس من جهة أخرى. أي أن النية المبيتة لسوريا من خلال التنازل عن كامل الجولان مقابل السلام هو - على المدى البعيد - القضاء على أي نفوذ لها في المنطقة وربما إسقاط النظام بأكمله في المستقبل القريب. سقوط سوريا بهذا الشكل يعني إضعاف مركز إيران التي ستجد نفسها وحيدة في ميدان المعركة.
وبالتالي القضاء التام على حزب الله في الجنوب. وبالطبع هذا سيجر معه تنازلات حماس في غزة. وهي تنازلات بدأت حماس في تقديمها فعليا منذ الآن بعد أن سمعت بنية سلام إسرائيلية سورية قادمة لا محالة. في النهاية: سوف يتحقق حلم الشرق الأوسط الكبير بزعامة إسرائيل.
هذا ما يختبئ خلف جملة أولمرت: «نحن نعرف ما تريد سوريا، وهي تعرف ما نريد».
فهل ستأكل سوريا الطعم في «منتزه السلام»؟
جامعة الإمارات