يروق للبعض تصور وجود حلف أو تحالف إستراتيجي بين دولتين أو ثلاث أو أكثر من الدول الكبيرة كحل لمواجهة هيمنة القطب الأوحد الولايات المتحدة على الساحة الدولية، وقد ظهرت لأول مرة فكرة تأسيس تحالف استراتيجي بين الدول الثلاث روسيا والصين والهند عندما طرحها رئيس الوزراء الروسي الأسبق يفجيني بريماكوف أثناء زيارته للهند عام 1998.
حيث صرح بريماكوف للصحافيين قائلاً «إن تأسيس مثل هذا التحالف هو الكفيل بتغيير موازين القوى العالمية لصالح السلام والأمن الدولي»، وبالطبع لم يتعامل أحد مع هذا الطرح بجدية آنذاك، خاصة وأن العلاقات بين الهند والصين كانت سيئة للغاية بسبب الدعم الكبير الذي كانت تقدمه بكين لباكستان سياسيا وعسكريا.
كما أن روسيا والصين كانتا عام 1998 تقريبا على نفس العلاقات التي كانت بينهما في زمن الحرب الباردة، لا أصدقاء ولا أعداء، فقط كانت العلاقات بين روسيا والهند هي التي يمكن القول عنها أنها جيدة ومتطورة لكنها لا تكفي لتأسيس تحالف استراتيجي بين البلدين.
الآن يتصور الكثيرون أن هذا التحالف قابل للتنفيذ نظرا لتطور العلاقات بين البلدان الثلاثة، وخاصة في المجال العسكري، حيث أصبحت روسيا المورد الرئيسي للسلاح لكل من الصين والهند اللتين تحصلان معا على نحو 70% من صادرات السلاح والتكنولوجيا العسكرية الروسية، ويشكل السلاح الروسي في كلا البلدين أكثر من 80% من تسليحهما.
كما أن هناك تعاونا عسكريا مستمرا ومتطورا بين البلدين وروسيا في إطار المناورات العسكرية المستمرة التي تقام بين روسيا والصين بشكل دوري في إطار منظمة شنغهاي للتعاون، وهي المناورات التي تحضرها الهند كمراقب.
وقد طلبت الولايات المتحدة الأميركية حضور هذه المناورات التي أقيمت في روسيا في العام الماضي ورفض طلبها، كما تقام مناورات عسكرية مشتركة بين الهند وروسيا بشكل دوري، وهناك تعاون عسكري تقني في مجال التصنيع الحربي بين روسيا والهند في إطار مؤسسة «براموس» للتصنيع الحربي، والتي ظهر إنتاجها مؤخراً في شكل صواريخ براموس وغيرها من الأسلحة الحديثة.
هذا إلى جانب التطابق بين البلدان الثلاثة في المواقف من القضايا الدولية، وكذلك فشل محاولات واشنطن لاختراق هذا التقارب بعد فشل اتفاق التعاون النووي بين الولايات المتحدة والهند الذي كان قد طرحه الرئيس الأميركي بوش عام 2006 ورفضه الكونجرس الأميركي.
وكذلك فشل العروض العسكرية الأخيرة التي عرضتها واشنطن على الهند، ومنها حاملة طائرات كهدية مقابل شراء الهند صفقة طائرات مقاتلة أميركية تتعدى المئة طائرة، وغير ذلك من العروض التي بدا فيها أن واشنطن تسعى لاختراق التقارب الهندي الروسي الذي بات يشكل قلقاً كبيراً لأصحاب الإستراتيجية الأميركية في القارة الأسيوية.
كل هذه الظواهر والمؤشرات لا تعني أن الدول الثلاث تسعى لتشكيل تحالف أو حلف إستراتيجي في مواجهة جهة أخرى في الغرب، وهذا التوجه في حد ذاته لا يتصور وجوده في توجهات السياسة الخارجية للبلدان الثلاثة المنفتحة على جميع دول العالم وعلى رأسهم الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية، وكل من الدول الثلاث له مصالح اقتصادية وتجارية كبيرة مع الغرب، ولا يتصور التضحية بهذه المصالح من أجل الدخول في تحالفات وصراعات عالمية لا حاجة لأحد إليها.
وحلف شمال الأطلسي في رأي الكثيرين لم يعد يشكل أي تهديد لأحد، على العكس فإنه على وشك التفتت والانهيار لأن العالم لم يعد يحتمل هذه التكتلات العسكرية، وفشل الحلف في أفغانستان وانقسام الأوروبيين ضد واشنطن يعد مؤشرا قويا على اقتراب نهاية هذا الحلف، ولا يتصور أن يتشكل تحالف آخر الآن وإلا شكل هذا حافزا قويا للحفاظ على حلف الناتو ودعمه بقوة، وهذا ما لا يريده البلدان الثلاثة روسيا والهند والصين.
يرى بروفيسور معهد العلاقات الدولية بموسكو سيرغي لونيف أن من المستحيل حاليا إنشاء حلف عسكري سياسي بين روسيا والهند والصين بسبب وجود اختلافات في مواقف البلدان الثلاثة تجاه عدد من المسائل، وخاصة مسألة منع انتشار الأسلحة النووية، وقال لونيف في ندوة نقاش نظمتها وكالة نوفوستي بين موسكو وبكين بنظام الفيديو كونفيرنس: «توجد اختلافات موضوعية في السياسات الخارجية التي ينتهجها كل بلد من البلدان الثلاثة في القارة الآسيوية».
وأضاف أن روسيا والصين تدعوان إلى تعزيز نظام منع الانتشار في حين تسعى الهند إلى تقوية قدراتها العسكرية، بما فيها النووية، وأكد الخبير الروسي أن الدول الثلاث لا تسعى إلى إنشاء مثل هذا الحلف لأنها راضية عن مستوى التعاون المتبادل الحالي.
وأكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أكثر من مرة أن روسيا لا تنوي تشكيل حلف عسكري مع الهند والصين، وقال لافروف: «ليست لدينا أية خطط لإنشاء أحلاف عسكرية مع الهند والصين». وأضاف أن روسيا تقوم بتطوير الحوار مع هذين البلدين على المستويين الثنائي والثلاثي، وفي إطار منظمة شنغهاي وغيرها من منظمات التعاون الأخرى، وأكد لافروف أن الدول الثلاث تسعى لحل القضايا الرئيسية للأمن من خلال الحوار الجماعي، وخاصة بالوسائل السياسية والدبلوماسية.
روسيا والهند والصين تجمعهم مصالح كثيرة مشتركة، وتواجههم أيضا تهديدات مشتركة، ولكن هذا لا يعطي مبررا لتأسيس تحالف عسكري إستراتيجي بينهما، بل أن هذه الدول الثلاث تسعى لإلغاء هذه التحالفات من العالم كله، وتسعى هذه الدول لدعم النظام الدولي القائم، خاصة الأمم المتحدة التي يسعى البعضـ لتفتيتها وإحلال تكتلات أخرى مكانها، كما أن هذه الدول الثلاث يربطها بدول العالم كله مصالح كثيرة تستوجب الانفتاح والتقارب مع الجميع والابتعاد عن تخويف وإرهاب الأخرين بأحلاف عسكرية عانى منها العالم كثيرا خلال القرن الماضي.
ومن البديهي أن أي سعي لتشكيل تحالف إستراتيجي عسكري بين الدول الثلاث سيقلب عليهم جيرانهم المتخوفين من نهوض قوة إقليمية عسكرية بين هذه الدول الثلاث العملاقة التي يشكل حجمها السكاني ما يقرب من نصف سكان الأرض، ولن تتحمل دولة مثل باكستان وجود الهند في هذا التحالف، ولن تتحمل اليابان وجود الصين في هذا التحالف، ولن تتحمل حمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق وجود روسيا في هذا التحالف، وبالتالي لن يجلب مثل هذا التحالف للدول الثلاث سوى المزيد من المشاكل والاضطرابات على الساحتين الإقليمية والدولية.
كاتب ومحلل سياسي روسي
