قررت حكومة الولايات المتحدة وحكومات معظم الدول الأوروبية وبعض الحكومات الأخرى الحظر على استقبال محطة المنار التابعة لحزب الله باعتبارها قناة تشجع على الإرهاب بنظر هذه الحكومات، ضاربة عرض الحائط بقوانين الصحافة المعمول بها وثوابت مواقف هذه البلاد من حرية الرأي والتعبير منذ عشرات السنين.

كما بدأ بعضها الآن فرض الحظر على استقبال محطة الحوار التي تبث من لندن وذات التوجه الإسلامي، وقررت السلطات الإسرائيلية بدورها التضييق على نشاط مراسلي محطة الجزيرة الفضائية حيث اتهمها وكيل وزارة الخارجية الإسرائيلية بأنها محطة متحيزة، أي بتعبير آخر بدأت هذه الحكومات بفرض المقاطعة على وسائل الإعلام التي تخالف سياساتها.

من جهة أخرى تحفظت الصحف الإسرائيلية خلال الأسبوع الماضي على نشر نشاطات الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر خلال زيارته للمنطقة وامتنع بعضها عن الإشارة إلى مضمون مبادرته ومقترحاته التي اعتبرتها (هذياناً) كما امتنع بعض المسؤولين الإسرائيليين عن اللقاء به، لأنه لم ترق لهم محاولته معرفة ما يجري في المنطقة والاطلاع على آراء بعض المنظمات الفلسطينية وخاصة حركة حماس وبعض الحكومات العربية والاجتماع بهذه الأطراف.

وهكذا تناست الأوساط السياسية الغربية والإسرائيلية بذلك صراخها طوال نصف قرن وهي تنتقد المقاطعة العربية لإسرائيل، وحديثها عن الحريات السياسية والحوار واعتبار المقاطعة عملاً متخلفاً يجافي معطيات العصر والفضاء المفتوح والحوار الحر وغير ذلك من الشعارات الرنانة التي كنا ومازلنا نسمعها خلال ستين عاماً.

منذ قيام دولة إسرائيل قرر العرب مقاطعتها سياسياً واقتصادياً وثقافياً وفي كل مجال، ولاقوا نقداً شديداً من الدول الغربية بسبب هذا القرار، حيث ترى هذه الدول أن المقاطعة عمل بدائي وممارسات ظالمة تجاه إسرائيل، ولم يترك المسؤولون الغربيون والإسرائيليون مناسبة إلا وطالبوا فيها بالتراجع عن قرار المقاطعة التي أصر عليها العرب، مع أن الموقف العربي بدأ يتراخى مع الأسف منذ انتهاء الحرب الباردة ومنذ عقد بعض الدول العربية معاهدات سلام مع إسرائيل، فتراجع بعضهم جزئياً أو كلياً وأقام قسم آخر مكاتب تنسيق ورعاية مصالح مع إسرائيل، مما شجع الحكومات الإسرائيلية والغربية على ممارسة مزيد من الضغط على البلدان العربية الأخرى لإلغاء المقاطعة وتطبيع العلاقات.

تجاهل الغربيون والإسرائيليون مواقفهم من المقاطعة خلال ستة عقود، وذهبت شعارات الديمقراطية وحرية التعبير والرأي والحوار أدراج الرياح، ولم تعد قرارات المقاطعة ممارسات خارج العصر كما كانوا يقولون ولا تخلفاً وقصر نظر ولم يعودوا يستطيعون إنكار أن المقاطعة العربية تدخل في بنية الصراع العربي الإسرائيلي الذي لا يقتصر على الصراع العسكري فحسب بل يقتضي استخدام الأسلحة كافة التي يملكها العرب لمواجهة عدوهم، وإن توازن القوى المنشود إنما يقتضي مثل هذه المقاطعة تماماً كما يقتضي الاستعداد العسكري.

كانت إسرائيل والغرب طوال الصراع العربي الإسرائيلي تطالب العرب بالمحادثات المباشرة للوصول إلى حل للصراع وبالتالي الاتفاق على معاهدة سلام من دون شروط مسبقة، وعندما كان العرب يرفضون المحادثات المباشرة كانت تنهال عليهم ضروب النقد والتقريع من هؤلاء القوم، ويبدون استغرابهم من أن العرب يرفضون المحادثات والحوار والتواصل.

حتى الآن ترفض إسرائيل والحكومات الغربية أي نوع من أنواع التواصل مع بعض المنظمات الفلسطينية بحجة ممارسة الإرهاب أو رعايته، وتوافقت هذه الدول على رفض الحوار مع حركة حماس (خاصة) مع أنها منتخبة انتخاباً ديمقراطياً من قبل الشعب الفلسطيني اعترفت جميعها بنزاهته وشفافيته، وهي جميعها أيضاً وللمفارقة انتقدت الرئيس السابق جيمي كارتر عندما أعلن رغبته بالتواصل مع قادة حماس ونسيت أنها تدين رفض العرب التواصل مع إسرائيل التي اغتصبت أرضهم ومارست أسوأ أنواع الوحشية، ويدل ذلك على النفاق الصريح من قبل الدول الغربية وقياسها القضايا بمقياسين وتغيير مواقفها تغييراً ظرفياً فلا ثوابت لديها تجاه الصراع العربي الإسرائيلي.

عندما قرر العرب مقاطعة إسرائيل إنما كانوا يدركون أن هذا القرار يصب في الإعداد للمواجهة الشاملة، وباعتبارهم غير قادرين على المواجهة العسكرية فمن باب أولى أن يوظفوا المقاطعة متعددة الجوانب في صراعهم معها، وقد كانت المقاطعة مجدية فعلاً وما زالت حتى الآن، ولا يضيرها أن النظام العالمي الجديد وتطور الظروف الدولية خلق ظروفاً جديدة تعيد هيكلية هذه المقاطعة وأساليبها، وينبغي بهذه المناسبة الأخذ في الاعتبار أن بعض المبالغات العربية السابقة في تطبيق المقاطعة كانت صحيحة في وقتها وإن كانت لا تبدو كذلك الآن، لأنه لا يجوز أن نطبق شروط الحاضر على قوانين الماضي فكل شيء مرتبط بالزمان والمكان والظروف.

إن المحادثات مع إسرائيل شيء ومقاطعتها في مختلف الجوانب شيء آخر، فالمقاطعة تعزز الموقف العربي وشروط المواجهة العربية وتقرب العرب خطوة من توازن القوى المنشود الذي يؤثر بشكل فعال على نتائج المحادثات إذا حصلت، والأهم بالنسبة للعرب هو الاستمرار بعملية المقاطعة والعمل على تأكيد الدعوة لتشديدها لأن ذلك جزء من الصراع العربي الإسرائيلي، وعمل مشروع ومبرر، خلاف مواقف النفاق الأوروبية والأميركية التي لا ترى إلا مصلحة إسرائيل وتشرّع ممارساتها ومواقفها الهمجية وهي تعرف أنها دولة معتدية وإرهابية تصر على مقاطعة ضحاياها وتستنكر مقاطعتهم لها.

يبدو أن التطرف الإسرائيلي والأميركي والغربي عموماً أصاب سياسات هذه البلدان بالعمى، فلم تعد تأخذ باعتبارها شعارات الحرية والديمقراطية واحترام الرأي الآخر التي هي من أولويات معايير الدولة الحديثة التي بشرتنا بها والتي يبدو أنها لا تراها.

كاتب سوري