لم تكن الزيارة التي قام بها الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر للمنطقة مؤخراً لتستحق أو لتحوز على هذه المساحة الواسعة من اهتمام وسائل الإعلام العربية خصوصاً، لولا أن كارتر شكل اختراقاً غير مسبوق على هذا المستوى للحصار الدولي المضروب حول قطاع غزة وخصوصاً حركة حماس التي تسيطر عليه، وربما كان ذلك هو الإنجاز الوحيد لزيارته.
بعد وصوله إلى القدس المحتلة يوم الأحد الثالث عشر من الجاري، أدلى كارتر بتصريح قرأته بشيء من التدقيق، كان كافياً لمعرفة أهداف ونتائج المقطع الأهم في الجولة وهو الالتقاء بقيادات حماس، وبالتالي عدم الحكم عليها سلفاً. ففي مقابلة مع شبكة التلفزة «ايه بي سي نيوز» الإخبارية، قال كارتر ما نصه «من المهم جداً أن يلتقي شخص واحد على الأقل قادة حماس للتعبير عن وجهات نظرهم ولتأكيد مقدار المرونة التي يتحلون بها، وللسعي لإقناعهم بوقف الهجمات ضد مدنيين أبرياء في إسرائيل والتعاون مع فتح كمجموعة توحد الفلسطينيين».
وفي إسرائيل التقى كارتر فقط بالرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز، وعائلة الجندي المخطوف جلعاد شاليط، حيث تعهد أمامهم بالمساعدة في الإفراج عنه. الرفض والانتقاد الذي اتسمت به ردود الفعل الأميركية والإسرائيلية للمهمة التي قام بها كارتر، لم يجعلا منه بطلاً إلا عند الباحثين عن انتصارات وهمية، والذين لا يدركون المسافة بين رئيس سابق للولايات المتحدة وصاحب أهم إنجاز في تاريخ إسرائيل بعد إنجاز إعلان الدولة وهو اتفاقية كامب ديفيد، وبين شخصية ثورية كجيفارا، إذ من غير الممكن أن تصل المسافة بين كارتر الرئيس وكارتر الشخصية السياسية الاعتبارية، إلى الحد الذي ينقله من خانة المقتنع بدعم إسرائيل والمتحالف معها إلى خانة المقتنع بالنقيض.
هذا لا يعني أن الرجل بقي على قناعاته وهو في البيت الأبيض، فلقد أصدر كتاباً ينطوي على وجهات نظر اعتبرتها إسرائيل والجماعات اليهودية موالية للفلسطينيين، ولكن وفق معايير تناسب ما تعودت عليه إسرائيل من انحياز كامل وأعمى لسياساتها.ويبدو أن موقف الإدارة الأميركية لم يكن على القدر المطلوب من الحزم، بما يجعل الرئيس كارتر يتراجع عن عزمه لقاء قيادات حماس، ولولا أنها لا تمانع في أن يقوم بفحص مدى القدرة على استيعاب حماس دون أن تتحمل الإدارة المسؤولية عن ذلك، لكان بمقدورها وفق القوانين الأميركية أن تمنعه أو تقنعه بضرورة العدول عن مهمته.
النتائج التي خرجت بها زيارة كارتر، ولقاءاته المتكررة والطويلة مع قيادات في حركة حماس ابتداءً بلقاء القاهرة، ثم بلقاءات دمشق، لا تستحق عناء البحث أو البناء عليها بأي حال، وهي بالقطع لم تقدم لحركة حماس أية فرصة لمجابهة الملفات الصعبة التي تسعى منذ بعض الوقت لمعالجتها.
إزاء قضية الجندي الإسرائيلي شاليط، لم يكن كارتر وسيطاً، لأن دوره لم يكن مرغوباً في إسرائيل، ولذلك جاء بحثها على شكل الطلب من قيادة حماس الموافقة على العدد الذي تريد الحكومة الإسرائيلية الإفراج عنه من المعتقلين الفلسطينيين، وكان من الطبيعي أن ترفض قيادة حماس ذلك، كما أن ترفض طلبه بأن تبادر حماس للإعلان والالتزام بتهدئة من طرف واحد. فلماذا كان على كارتر أن يتوقع من حماس تقديم كل هذا الثمن فقط لمجرد أنه جازف بالاتصال بقيادتها، وأنه يرغب في نقل رسالة عن مرونة لن تكون كافية لرفع الحصار والتعامل بشكل مختلف مع حركة حماس؟
لقد حرص كارتر على أن يتلو أمام قيادة الحركة، موقفه الذي يمثل تكراراً لشروط الرباعية الدولية وإسرائيل، والتي تطالب حماس بنبذ ما يسمى ب«الإرهاب»، والاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، إضافةً إلى الالتزام بالاتفاقيات التي وقعتها منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، أما ما قيل عن انجاز حققه كارتر بحصوله على تعهد مكتوب قرأه أمام الصحافيين في إسرائيل، يقضي بموافقة قيادة حماس على قبول نتائج استفتاء فلسطيني على أي اتفاق يتم التوصل إليه من خلال المفاوضات، فإن هذا الإنجاز لا يساوي الحبر الذي كتب به.
فالتعهد بقبول ذلك مشروط بحصول مصالحة فلسطينية كشرط مسبق، وهذه قضية القضايا بالنسبة لكل الشأن الفلسطيني، هذا فضلاً عن أن إعلان رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل، عن قبول الحركة لحل يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة على الأراضي المحتلة منذ عام 1967، خالية من المستوطنات وعاصمتها القدس، وبعودة كل اللاجئين الفلسطينيين، وبدون مفاوضات مباشرة أو اعتراف بإسرائيل، مثل هذا الإعلان ينسف فعلياً وشكلياً كل ما جاء في ورقة التعهد التي لم يعد كارتر بغيرها.
وفي الحقيقة فإن زيارة كارتر لم تنتج شيئاً على الإطلاق، ولا تبرر الحد الأدنى من الترحيب والتطبيل والتزمير الإعلامي الذي سبقها ورافقها، فحال الفلسطينيين لا يزال من سيئ إلى أسوأ. أما إن كان ثمة من يرغب في استخراج الدرس الأهم، سواء مما جاء أو خرج به كارتر أو مما يقع في الميدان، فإن المسؤولية تقضي بالاعتراف صراحةً وبجرأة كافية أن مفتاح الحل للأزمات الفلسطينية، يبدأ من معالجة الانقسام الفلسطيني الخطير الذي نشأ وتعمق بعد انقلاب حركة حماس وسيطرتها بالقوة العسكرية على قطاع غزة.
كاتب فلسطيني
